فهرس الكتاب

الصفحة 17072 من 27364

ومن أجل كون الوحدة هى القبيلة وليست الفرد - وهو أصل نفسى واجتماعى وليس اقتصاديا بحتا - فإن القبيلة كلها تدخل في السلم أو تدخل في الحرب ، فلا يتصور كذلك أن تكون هناك ملكية خاصة للسلاح داخل القبيلة ، لأنه لا يستخدم إلا بصورة جماعية من خلال تلك الوحدة التى يمارس الأفراد من خلالها نشاطهم كله . فإذا تصورنا أن السلاح كله - رماحا أو سهاما أو عصيا أو ما أشبه - يوضع في مخزن واحد مشترك ، وأنه حين ينادى على الحرب وتدق طبولها يهرع المقاتلون من أفراد القبيلة إلى ذلك المخزن المشترك فيتناول كل منهم نصيبه من السلاح ، حتى إذا عادوا أعادوا السلاح إلى موضعه المشترك .. إذا تصورنا ذلك فلا نكون بعيدين عن الصواب . وحتى لو تصورنا أن شخصية الفرد قد نمت في داخل القبيلة شيئا من النمو في عهد متأخر فصار له سلاحه المستقل ، فإنه لن يستخدمه إلا بإذن من القبيلة ، وفى المواضع التى توجهه إليها القبيلة فحسب .

أما الشيوعية الجنسية والمساواة الكاملة والحالة الملائكية المزعومة التى توصفه بها الشيوعية الأولى فمسألة لا يقوم عليها الدليل !

كل دليلهم بالنسبة للشيوعية الجنسية هو ما رواه الرحالة المكتشفون من وجود أنواع منها في تلك القبائل التى اكتشفت في أفريقيا وآسيا واستراليا على حالة بدائية بعيدة عن كل صور المدنية .

ولنسلم جدلا بصحة كل ما رواه أولئك الرحالة ، وأنهم وصفوا الحقيقة كاملة بغير تهويل ولا تزييف . فما دلالة روايتهم ؟

بعض القبائل لأكلها . وجدت فيها أنواع مختلفة من الشيوعية الجنسية لا نوع واحد محدد ، فهل يصلح هذا دليلا على أن كل القبائل التى عاشت في بداوة البشرية مارست الشيوعية الجنسية الكاملة ؟ !

إننا نؤمن بادئ ذى بدء الله أرسل هداة من البشر ينظمون لأقوامهم طرائق معيشتهم بمقتضى الوحى الربانى الذى أخبر عنه آدم وحواء يوم سكنا هذه الأرض ، وأن بعض الناس آمنوا واهتدوا وبعضهم تنكب الطريق:

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) } [سورة البقرة 2/38-39]

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} [سورة النحل 16/36]

{وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ (24) } [سورة فاطر 35/24]

فليس البشر كلهم أمة واحدة على الهدى ولا على الضلال .

ولكن الشيوعيون لا يؤمنون بالله ولا برسله ولا بوحيه .. فلننظر في أدلتهم العلمية الموضعية !

لو وجدنا كل القبائل المتأخرة المنعزلة عن العمران تمارس لونا واحدا من المشاعية الجنسية لقلنا إنه ربما كان هذا هو الحال الذى كانت عليه البشرية في أول عهدها ، ولم نقطع مع ذلك بأن هذا أمر يقينى ، لأن الشذوذ والانحراف يطرأ دائما على الناس في أثناء مسيرتهم التاريخية ، ولا يدل وجوده في أى جيل على أنهن كان موجودا في أجيال سابقة .

ألم تقع الفاحشة الشاذة من قوم لوط غير مسبوقة ؟ فهل نقول إن وجودها وتفشيها في قوم لوط دليل على أنها وجدت منذ أول البشرية ووجدت على سبيل الشمول ؟ !

وهب إن إنسانا بعد مائة عام أو ألف عام قلب في صحف القرن العشرين فوجد صور النساء العاريات في الشواطئ وفى الشوارع وفى البيوت ، وقرأ عن التمثيليات التى تمارس فيهما العملية الجنسية كاملة على المسرح وتنقلها شاشة التلفزيون ، فحكم بناء على ذلك بأن العرى أصل من أصول البشرية ، وأن الممارسة العلنية للجنس هى الأصل الذى مارسته البشرية في تاريخها كله .. أيكون هذا استلالا"علميا"موضوعيا تبنى عليه نظريات علمية لتفسير السلوك البشرى ؟ ‍!

كذلك قصة القبائل المتأخرة التى عثر عليها في مختلف بقاع الأرض ، لا تدل ممارستها للشيوعية الجنسية على أن هذا هو الأصل الذى كانت عليه البشرية في بداوتها ، ولو كانت كلها تمارس تلك الشيوعية وبعضها لا يمارسها ؟ وما بال إذا كانت القبائل التى تمارسا لا تمارسها على صورة واحدة ؟ ‍

إنما لجأ الشيوعيون إلى اعتساف الدليل ، والزعم بان الشيوعية الجنسية كانت قائمة في البشرية الأولى ، لأنهم كانوا في مبدأ أمرهم يروجون لهذه الشيوعية في نظرياتهم وتطبيقاتهم ، ويريدون أن يجعلوها قاعدة الحياة عندهم ، ترغيبا"للزبائن"من الشباب الذى يعانى الحرمان الجنسى لأى سبب من الأسباب ‍! فلما رأوا فيما بعد أن هذا الأمر يستغل في الدعاية ضدهم والتنفير منهم عادوا ، فعدلوا النظرية وإن كانوا لم يعدلوا تعديلا جوهريا في التطبيق ، واحتجوا - كأنما ذلك يعطيهم الحجة - بأن الشيوعية الجنسية قائمة على نطاق واسع في المجتمع الرأسمالى ! يقول البيان الشيوعى الذى أصدره ماركس وإنجلز:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت