فهرس الكتاب

الصفحة 17082 من 27364

وليس بنا أن نلغى أثر الضغوط التى تقع على الإنسان من خارج كيانة وتؤثر في حركته ، سواء كانت ضغوط المادى بمعنى الكون المادى على اتساعه وبمعنى البيئة المحيطة بالإنسان ، أو ضغوط الأوضاع الاقتصادية ، أو ضعوط المجتمع .. أو أى نوع من الضغوط يقع خارج كيان الإنسان الفرد ، ويؤثر فيه على غير رغبته .

ليس بنا أن ننكر شيئا من ذلك كله . . ولكن هذا ليس ما يقوله التفسير المادى للتاريخ في قضية الحتميات .. إنما يقول ذلك التفسير إن كل حياة الإنسان مرسومة له من خارج كيانه ، ومستقلة عن إرادته ، لا يملك أن يقف فيها موقوفا يخالف ما تفرضه الحتميات ، حتى مشاعره لا يملكها ! إنما يكونها له الوضع الاقتصادى إلى غير إرادة منه:"ليس شعور الناس هو الذى يعين وجودهم ولكن وجودهم هو الذى يعين مشاعرهم" ( ماركس ) "إن الأسباب النهائية لكافة التغيرات او التحولات الأساسية لا يجوز البحث عنها في عقول الناس أو في سعيهم وراء الحق والعدل الأزليين ، إنما في التغيرات التى تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل" ( إنجلز ) .

وحتى التغيرات التى تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل لا تنسب إلى"الإنسان"! كأنما تحدث تلقائيا بغير فاعل ! ! وكأنما عقل الإنسان ومشاعره ليست - على الأقل - جزءا من عوامل التغيير !

ما الإنسان إذن ؟

إنه مجرد"أداة"فى يد جبارة ماردة هى الحتميات !

ليس الإنسان هو الذى يصنع التاريخ ، ولكن التاريخ"بحتمياته"هو الذى يصنع الإنسان!

ألا ما أبأس الإنسان في ظل التفسير المادى للتاريخ ! وما أهون شأنه ! وما أهون دوره كذلك ! دور الاستسلام الكامل للحتميات التى تصنع له حياته وتصنع له تاريخه"مستقلة عن إرادته"!

وماذا يساوى - مع الجبروت القاهر لهذه الحتميات التى لا تستجيب لشفاغة ولا تحفل ضراعة - أن يكتب في سطر من سطور هذا التفسير أن الإنسان هو سيد هذا الكون ، إذا كان كل سطر من سطور هذا التفسير يجعله عبدا ذليلا خاضعا لذلك الجبار الذى لا يلتفت مرة واحدة لهذا الإنسان ، ولا يعيره اهتمامه ، ولا يرحم ضعفه ، ولا يقيله من عثرته ؟!

ثم .."من"الذى يصنع التغيير في حياة الإنسان ؟ ! و"ما"الذى يصنعه ؟! وكيف صار للإنسان تاريخ ؟!

يقولون: هى المادة وقوانين المادة ..

وما بنا من حاجة أن نعود من حاجة أن نعود إلى السؤال الذى سألناه من قبل: ما بال المادة وقوانينها لا تصنع هذا التغيير في حياة الحيوان ! إنما نقول إن خصائص"الإنسان"التى تفرد بها هى التى تصنع تاريخه ، وتصنع التغيرات في هذا التاريخ ، فلولا رغبة الإنسان في المعرفة - تلك الرغبة المركزوة في أعماق كيانه - ولولا رغبته في استخدام ثمار المعرفة في تحسين أحواله المعيشية في شتى جوانبها ، المادى منها وغير المادى ، ولولا قدرته على تخيل صورة معينة لأشياء لم توجد بعد في عالم الواقع ، وبذل الجهد في محاولة إيجادها في الواقع ..

لولا هذه"الخصائص"التى تفرد بها الإنسان ، هل كان يمكن أن يكون للإنسان تاريخ ؟!

إن الحيوان ليس له تاريخ .. ولن يكون له ..

فالحمار الذى عاش قبل عشرة آلاف سنة هو الحمار الذى يعيش اليوم .. لم يغير شيئا من واقع حياته ، ولا يملك أن يغير . . ليس له ماضى يرجع إلى تجاربه ، ولا مستقبل يسعى إلى تحقيقه ، ليس له"ذكريات"ولا"آمال"لا"تطلعات"تتجاوز شخصه إلى أشخاص غيره من الحمير ، أو تتجاوز لحظته الحاضرة إلى الغد القريب أو البعيد .

ولكن الإنسان - بخصائصه المتفردة - لم يكن كذلك منذ مولده ، إنما كانت له دائما"تجربة"واعية يختزنها في كيانه فردا وجماعة يجعلها نقطة ارتكاز ينطلق منها إلى التجربة التالية .. وكانت له دائما ذكريات فردية واجتماعية ، وآمال وتطلعات ، فردية واجتماعية كذلك ، ترسم له - إلى جانب الشهوات والضرورات المركوزة في كيانه - خط رحلته في هذه الأرض .

ومجمل تاريخه هو مجمل ذلك كله .

وحين يخترع آلة جديدة فهذا الاختراع نابع من صميم نفسه .. من تجاربه الواعية ، ومن ذكرياته وآماله وتطلعاته .. إنه لا ينشئها عبثا ، ولا تنشأ هى في حياته بطريقة ذاتيه ، إنما يخترعها لتلبى رغبة من رغباته الكامنة ، لأداء ضرورة من ضرورات حياته ، أو لتحسين وضع من أوضاعه ، أو لتحقيق أمر من"الكماليات"بالنسبة له في تلك اللحظة ، يتحول إلى ضرورة بعد فترة من الوقت ، فيسعى من جديد إلى تحسينه أو البحث عن كماليات جديدة ..

وصحيح أن الآلة الجديدة تحدث تغيرا في حياته ، قد لا يكون منظورا كله وقت التفكير في اختراعها ، أو لا يكون شئ منه منظور على الإطلاق .. ولكن هنا ينبغى أن نتذكر أمرين مهمين:

الأول: إن الإلة قد اخترعت في الأصل تلبية لحاجة في نفس الإنسان يسعى إلى تحقيقها ، ولم تظهر إلى الوجود من تلقاء نفسها ، ولا اختراعها الإنسان عبثا بغير غاية ، ولا فرضت عليه فرضا من خارج كيانه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت