فهرس الكتاب

الصفحة 17081 من 27364

أما إذا جعلنا مقياسنا"إنسانية"الإنسان ، أى القيم والاعتبارات التى ميزت بين الإنسان والمادة وبين الإنسان والحيوان ، فالأمر يختلف اختلافا بينا ، والصورة لن تكون تقدما مستمرا ، ولكن تذبذبا مستمرا بين الصعود والهبوط ، وأسوأ ذبذباتها الهابطة هو الجاهلية المعاصرة في كل أرجاء الأرض .

إن فكرة التطور المستمر إلى أعلى هى فكرة داروينية ولا شك ، وقد تأثر الماديون تأثر بالغا بالداروينية في أكثر من موضع من تصوراتهم ونظرياتهم ، ولكن دارون كان يتحدث عن أجسام الكائنات الحية ووظائفها الحيوية ، ولم يتحدث عن شئ غير ذلك. أما الماديون فقد أمسكوا بخيوط من الداروينية فمدوها مدا واسعا لتخدم أغراضهم الخاصة ، وزعموا أنها صحيحة لمجرد كون الأساس الذى بنوا عليه - وهو التطور - صحيح !

وبصرف النظر عن صحة الداروينية أو عدم صحتها ، فالإنسان - منذ نشأته - له مقاييسه الخاصة التى يختلف فيها عن الكائنات من حوله . ولقد مرت بنا شهادة الداروينية الحديثة بشأن تفرد الإنسان في كل جوانب تكوينه وجوانب حياته ، ومن بين جوانبه تفرده أنه متفرد كذلك في معاييره ، فلا تنطبق عليه معايير المادة الجامدة ولا معايير النبات ولا معايير الحيوان .

ومعيار الإنسان - الذى تفرد به بين المخلوقات - أن له طريقين: طريق الهدى وطريق الضلال ، وأنه صاعد إذا سار في طريق الهدى وهابط إذا سار في طريق الضلال ، لأن طريق الهدى هو الذى يؤكد على"القيم الإنسانية"التى جعلت الإنسان إنسانا من مبدأ حياته ، وطريق الضلال هو الذى يجانب تلك القيم ويضيعها .

وخط التاريخ البشرى - كما هو معلوم من التاريخ - خط متذبذب على الدوام بين طريق الهدى وطريق الضلال ، ولذلك فهو متذبذب على الدوام بين الصعود والهبوط ، بين الرفعة والانتكاس ، وليس خطا صاعدا على الدوام متقدما على الدوام كخط التقدم العلمى والتكنولوجى ، وليست المسألة أن هذه وجهة نظر وتلك وجهة نظر أخرى على مستوى واحد من احتمال الصحة والخطأ ! فإن مادية الإنسان لا يوجد عليها دليل علمى واحد ، بينما توجد عشران الأدلة ومئاتها على إنسانية الإنسان ، ومن ثم يتضح طريق الخطأ وطريق الصواب !

إنما أراد الماديون أن يثبتوا التطور المستمر"التقدمى"فى حياة الإنسان لسببين رئيسيين:

الأول: أن يقولوا إن الفساد الخلقى والتحلل الدينى الذى وجد في المجتمع الصناعى كان خطوة"تقدمية".

والثانى: إن يقولوا إن الشيوعية خطوة تقدمية .

فمن أراد أن يكون"تقدميا"فلينبذ بادئ ذى بدء دينه وأخلاقه ، ثم ليكن شيوعيا في نهاية المطاف !

ولا هذا ولا ذاك حقيقة علمية ، إنما هى الأهواء والشهوات .

{وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [سورة المؤمنون 23/71]

6)الحتميات:

يقوم التفسير المادى على الحتميات: المادية أى المستمدة من قوانين المادة الحتمية ، والاقتصادية المستمدة من الوضع الاقتصادى ، والتاريخية المستمدة من المرحلة التاريخية التى يوجد فيها الإنسان من المراحل الخمس الكبرى: الشيوعية الأولى أو الرق أو الإقطاع أو الرأسمالية أو الشيوعية الثانية .

والحتميات الثلاث على أى حال مؤد بعضها إلى بعض بحيث نستطيع أن نتعامل معها كأنها حتمية واحدة: مادية اقتصادية تاريخية ، فإنها كلها أوجه لشئ واحد ، وكل حدث من أحداث التاريخ واقع - لا محالة - تحت ظل الحتميات الثلاث .

ولسنا هنا بصدد مناقشة علمية لهذه الحتميات ، فسنرى فيما يلى من الحديث أنها ليست حتميات بحال من الأحول ! وما يكذبه الواقع لا يحتاج أن ندخل معه في نقاش ، لأن صوت الواقع أصدق من النظريات والفروض .

ولكنا نلفت النظر إلى قضية معينة فيما يتعلق بالحتميات ، هى قضية"الإنسان".. أين مكانه في هذه الحتميات؟ موجودا فما دوره إذا كان كل شئ يتم بمقتضى الحتميات المادية والاقتصادية والتاريخية ؟

يقول ماركس:"فى الإنتاج الاحتماعى الذى يزاوله الناس تراهم يقيمون علاقات محدودة لا غنى لهم عنها ، وهى مستقلة عن إرادتهم"فإذا كانت مستقلة عن إرادة جميع الناس فمن إذن واضعها ؟ وأى مقياس تقام به لنقول إنها خطأ أو صواب ؟ وما مسئولية الإنسان الأخلاقية فيها لنقول إن هذا الإنسان خير وذاك شر ير ؟ أم لا خير ولا شرير وكلهم سواء ؟!

إن قضية الحتميات خطيرة في الواقع أخطر مما تبدو للوهلة الأولى ، لأنها تعنى الإلغاء الكامل لكيان الإنسان الإيجابى ذى الإرادى وذى الفاعلية ، وإلغاء القيم الأخلاقية كلها ، وإلغاء المسئولية أو"الأمانة"التى يحملها الإنسان .

مادام كل شئ مرصودا مكانه على خط سير التاريخ البشرى فما قيمة العمل الإنسانى ؟ ما الفرق بين أن يعمل أو لا يعمل ؟ وما الفرق بين عمل وعمل ؟ وما قيمة الوجود الإنسانى في التاريخ البشرى إذا كان الإنسان بهذه السلبية ، يصنع الأشياء بينما هى مستقلة عن إرادته ، كلعبة"خيال الظل"التى تتحرك فيها الدمى أما عين الناظر بينما هى في الحقيقة غير متحركة بذاتها ، إنما تحركها اليد التى تختفى وراء الستار !

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت