فهرس الكتاب
ونعود إلى التفسير المادى للتاريخ فنجده يحصر الصراع كله في الصرع الطبقى ، ويحصر أسباب الصراع في الملكية الفردية ، ثم يزعم أن الصراع سيتوقف حين تزول الملكية الفردية .
وبصرف النظر عن أن دلالة التاريخ تقول إنه قامت في الأرض - سواء في الجاهليات أو في الإِسلام - صراعات كثيرة غير قائمة على الصراع الطبقى وغير منبعثة من الملكية الفردية ، فإنه يهمنا في ختام هذه الفقرة أن نكشف عن زيف الدعوى القائلة بأن إلغاء الملكية الفردية سيقضى على الصرع ..
فالشيوعية قد ألغت الملكية الفردية ..
فيم إذن قام الصراع بين لنين وتروتسكى ، وبين ستالين وبيريا ، وفيم المؤامرات الدائمة التى يعلن عن تصفيتها والتغلب عليها ، أو تكون نتيجتها الإتيان بزعيم مقدس جديد بدلا من الزعيم المقدس الهالك أو المدحور ؟!
وفيم الصراع بين شقى المعسكر الشيوعى: روسيا والصين ؟ !
أو لم تلغ الملكية الفردية ؟ ! فلماذا إذن بقى الصراع ؟!
أولا يدلنا ذلك - على أقل تقدير - على أن إلصاق الشرور كلها بالملكية الفردية تعفسف غير"علمى"أقرب إلى الدعاية الغوغائية منها إلى حقائق الواقع وحقائق العلم ؟ !
5-التطور:
يزعم التفسير المادى للتاريخ أن الحياة الإنسانية في تطور مستمر إلى الأمام ، وأن كل مرحلة من مراحل التاريخ الخمس كانت أرقى من سابقتها ، أى أنها تعتبر مرحلة"تقدمية"بالنسبة لما سبقها ، فمرحلة الرق أرقى من مرحلة الشيوعية الأولى ، ومرحلة الإقطاع أرقى من مرحلة الرق ، والرأسمالية أرقى من الإقطاع .. والشيوعية أرقى من الرأسمالية..
وهذه القضية حين تطلق على هذه النحو تكون محل مآخذ كثيرة .
فلو أن التفسير المادى للتاريخ حدد التقدم بميدان العلم والتكنولوجيا لكان هذا معقولا وصحيحا بصفة عامة .. وإن كان اعتبارنا لصحته قائما على أساس آخر غير الذى يقيم عليه التفسير المادى تصوراته .
فالتفسير المادى كما شاهدناه يجعل المادى هى الأساس .. ونحن نقول إن النفس البشرية هى الأساس في كل ما يتعلق بالإنسان ، وإن تعامل الإنسان مع المادة ، وكل ما ينشأ عنه من نتائج هو جانب - وأحد - من جوانب النفس الإنسانية والحياة الإنسانية .
والتقدم العلمى والتكنولوجى المستمر في حياة الإنسان ليس قائما على المادة ، إنما هو قائم على تفاعل الإنسان مع الكون المادى من حوله . فلولا أن في الإنسان نزعة فطرية إلى المعرفة ، ونزعة فطرية إلى استخدام ثمار المعرفة في تحسين أحواله المعيشية ، ما حدث التقدم العلمى ولا التكنولوجى رغم وجود المادة الدائم من حول الإنسان !
وإذا كانت المادة موجودة حول كل الكائنات الحية ومع ذلك لا تثير فيها الرغبة في المعرفة العلمية المنظمة ولا الرغبة في استخدام ثمار المعرفة في تحسين أحوالها المعيشية .. إلا الإنسان .. فهل يكمن الفرق في المادة أم في الإنسان ؟ !
تلك بديهية يعمى عنها التفسير المادى للتاريخ ، لا لأنه عمى عنها في الحقيقة ، لكن لأنها تفتح الباب لا يحبون له أن ينفتح أبدا ، وهو"إنسانية"الإنسان ، لأن هذا الباب يمكن أن يؤدى إلى تثبيت"القيم"التى يريدون تحطيمها: الدين والأخلاق والتقاليد المستمدة من الدين ، بوصفها صادرة عن الفطرة الإنسانية أو متمشية معها !
سدا لهذا الباب يقولون إن المادة هى الأصل - لا الإنسان - لأنك لا تستطيع أن تحاسب المادة على شئ من القيم أو تطالبها بشئ منها ! وهو قول - كما أسلفنا - لا يمكن فهمه على أساس - العلم"إنما يفهم فقط حين تخرجه من الدائرة العلمية وتنظر إليه من زاوية الهدف المطلوب تحقيقه !"
فحين نسلم بالتقدم المستمر في ميدان العلم النظرى والتطبيقى ( مع التغاضى عن وجود ذبذبات في خط التقدم ) فإننا نسلم به على أساس أنه نابع من عوامل موجودة في فطرة الإنسان وتكوينه ، أودعها فيه الخالق ليعينه في مهمة الخلافة في الأرض:
{هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [سورة هود 11/61]
{الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) } [سورة العلق 96/4-5]
{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [سورة البقرة 2/31]
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) } [سورة النحل 16/78]
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [سورة الجاثية 45/13]
{وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} [سورة إبراهيم 14/34]
أما افتراض التقدم في كل جوانب الحياة فقول ينقضه الواقع .
"والقضية كلها راجعة إلى أصل المقياس . فإذا أخذنا الحياة المادية - أو بالأحرى التفسير المادى للإنسان - جاز أن نقول ذلك ، فالسيارة لا شك أسرع وأرقى من ركوب الجمل والحمار ، وناطحة السحاب أرقى من الخيمة والكوخ. و"الفستان"الأنيق المطرز أرقى من قطعة الجلد التى كانت تلبسها امرأة الغابة ، والمكتب الفاخر أرقى من جلسة الكاتب القديم الذى كان يجلس القرفصاء ويسند الورق إلى ركبتيه !"