فهرس الكتاب

الصفحة 17079 من 27364

وفى عهد الإقطاع في أوروبا كان الناس ثلاث طبقات رئيسية: طبقة الإشراف ( أمراء الإقطاع ) وطبقة رجال الدين وطبقة الشعب . وكان الأشراف ورجال الدين متحالفين كأنهما طبقة واحدة ، وكانا يملكان ويحكمان كل دائرته واختصاصه ، والشعب لا يملك ولا يحكم ، وإنما يقع عليه عبء الطبقتين السالفتين جميعا .

وفى عهد الرأسمالية انقسم الناس إلى طبقتين رئيسيتين: طبقة أصحاب رؤوس الأموال وطبقة العمال . وفى ظاهر الأمر - من خلال مسرحية الديمقراطية والتمثيل النيابى - يبدو أن الشعب - الذى لا يملك - صاحب سلطان ولكن الحقيقة المستترة وراء المسرحية أن الحاكم الحقيقى هو المالك الحقيقى ، أى أن الطبقة الرأسمالية هى التى تحكم وطبقة العمال هى التى يقع عليها الحكم .

وفى كل مرة من المرات الثلاث كان يثور صراع طبقى بين الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة يؤدى إلى تغير مستمر في الأوضاع ، فالصراع الأول حرر عبيد السيد وحولهم إلى عبيد للأرض أو اقنان ، والصراع الثانى حرر عبيد الأرض وحولهم إلى عمال صناعيين ، وأما الصراع الثالث فقد أدى إلى الشيوعية وفى الشيوعية تقول النظرية إن طبقة البروليتاريا"أى الطبقة الكادحة هى التى تملك وتحكم ، وتبيد الطبقات الأخرى جميعا فينتهى الصراع الطبقى بإبادة الأطراف التى يمكن أن تصارع البروليتاريا في أى وقت من الأوقات ."

فى النظام الربانى لا يوجد شئ من هذا كله !

حقيقة إنه توجد ملكية فردية ويوجد في المجتمع أغنياء وفقراء .. ولكن لا الإنياء طبقة ولا الفقراء طبقة ، ولا هؤلاء ولا هؤلاء يحكمون !

فالثروة في المجتمع الإسلامى دائمة التنقل من جيل إلى جيل بحيث لا تكون"طبقة"ائمة من أفراد معينين أو أسر معينة تتوارث وضعا اجتماعيا معينا . فأى فقير يمكن أن يتحول إلى غنى ،وأى غنى يمكن أن يتحول إلى فقير ، فلا يحجزه شئ عن أن يكون هذا أو ذاك ، بحسب تصرفه الشخصى من ناحية ، وبسبب حركة المواريث التى تفتت الثروة من مكان وتجمعها في مكان آخر .

ثم إن أى إنسان قد يتسلم السلطة ، ولكنه حين يتسلمها لا يحكم بهواه ، إنما يحكم بشريعة الله ، وهذه تقوم على أن إنسانية مستمدة من كونه إنسانا ، لا من كونه غنيا أو فقيرا أو مالكا أو غير مالك ، ثم إنها تطبق على الجميع بصورة واحدة .

يقول رسول ا صلى الله عليه وسلم محذرا الأمة الإسلامية:"إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها (1) "

وقد يقع الظلم كما قلنا من قبل من سوء التطبيق لشريعة الله ، ومن جور الحكام الذين يحكمون في بعض الأمور بغير ما أنزل الله ، ولكن يظل الظلم الواقع على مجموع الأمة أقل بكثير مما يقع على الأمة التى لا تحكم بما أنزل الله ، ثم يظل من واجب الأمة المسلمة أن تقاوم الظلم وترد الظالم إلى الصواب ، وإلا فهى أثمة في حق الله كما أنها آثمة في حق نفسها .

(1) رواه البخارى .

وحين يشتد الظلم فيثور المسلمون - وقد حدث هذا أكثر من مرة في التاريخ الإسلامى - فهو ليس صراعا"طبقيا"بالمعنى الذى يشير إليه التفسير المادى للتاريخ ، لأنه لا يوجد طبقة تريد الإطاحة بطبقة أخرى لتأخذ مكانها في السلطة والتشريع . إنما يطالب الثائرون بالعدل ، أى بتطبيق شريعة الله في المواضع التى خولفت فيها شريعة الله . وما أبعد هذا عن الصراع الطبقى كما يفهمه التفسير المادى للتاريخ !

إنما يوجد الصراع في النظام الربانى على أسس مختلفة تماما عن الصراع الطبقى الذى هو محور الحياة في الجاهلية ( إن صدقنا التفسير المادى للتاريخ في إرجاعه كل الصراعات في الأرض إلى الصراع الطبقى ، وسنرى الآن أن هذا غير صحيح ) .

الصراع الذى أمر الله المؤمنين بخوضه هو هذا الصراع:

{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) } [سورة البقرة 2/251]

{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41) } [سورة الحج 22/40-41]

{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [سورة الأنفال 8/39]

صراع لا علاقة له على الإطلاق"بالطبقات"ولا بالملكية الفردية ! إنه صراع الحق والباطل ، الذى يقول الله فيه:

{الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً (76) } [سورة النساء 4/76]

وهو صراع لا يتوقف أبدا ما دام هناك حق وباطل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت