فهرس الكتاب

الصفحة 17078 من 27364

الشئ الأول هو تراجع الشيوعيين - في التطبيق - عن مبدأ الإلغاء الصارم البات لكل نوع من أنواع الملكية الفردية ، الذى بدأوا به حياتهم التطبيقية ، ولجوءهم إلى تمليك الأشياء الشخصية ، وسماحهم بالعمل الإضافى - بعد أداء وحدة العمل الإجبارية - لمن أراد أن يعمل ، في مقابل أجر إضافى يمكن أن تشترى به أشياء يمتلكونها مدى حياتهم .

ولولا أن الشيوعيين وجدوا نزعة الملكية الفردية ذات وجود قاهر - رغم كل القهر البوليسى الذى تمارسه الدولة - ما تراجعوا هذا التراجع تحت أى ضغط من الضغوط ، لأنه تراجع عن أصل جذرى من أصول النظرية ، يمكن أن يؤثر في النظرية ذاتها على المدى الطويل !

والشئ الثانى هو تناقص الإنتاج الزراعى المتواصل في ظل الملكية الجماعية نتيجة لضعف الحافز إلى العمل!

وقد يسأل سائل: ولماذا حدث ذلك في الإنتاج الزراعى وحده ولم يحدث في الإنتاج الصناعى الذى تقدم تقدما كبيرا في ظل"النظام"؟ ونجيب السائل بأن الإنتاج الصناعى - وخاصة في ظل التكنولوجيا الحديثة - يمكن أن يخضع للرقابة الصارمة ، ويمكن أن يحدد فيه العامل المهمل بدقة متناهية ، لأن عملية الإنتاج ذاتها توزع العمل توزيعا دقيقا على مجموعة العمال الذين يقومون به ، بحيث يقوم كل منهم بعملية واحدة محدودة تتكرر بذاتها مع كل قطعة من قطع الإنتاج ، فيمكن - بسهولة - عند مراجعة الإنتاج أن يعرف العامل المقصر حين يقع تقصير . وعندئذ يقدم لمحاكمة عاجلة ، بتهمة التخريب والخيانة .. الخ ، وقد يحكم عليه بالإعدام ، وينفذ فيه الحكم فورا على رؤوس الأشهاد ، نكالا لما بين يديها وما خلفها ، وإرهابا لمن تحدثه نفسه بالتقاعس والإهمال ، أما الإنتاج الزراعى فلا يمكن مراقبته وضبطه بهذه الصورة مهما كانت شدة الرقابة وصرامتها .. ولذك تناقصت الغلة عاما بعد عام ، حتى صارت روسيا - التى كانت من قبل من الدول المصدرة للقمح ، والتى أضيف إليها أوكرانيا ، حقل القمح الخصب في أوروبا - صارت روسيا هذه تستورد القمح من أمريكا بكميات متزايدة !

ولقد زعموا أن هذا ناشئ من الآفات الزراعية ! !

ولكن العلاج الذى وضعه خروشوف يكشف عن أن الآفات الزراعية لا علاقة لها بالموضوع ! فإن خروشوف لم يأمر بزيادة الأبحاث الخاصة بوقاية الزروع من الآفات ، ولكنه أمر بإتاحة الملكية الفردية لقسم من المحصول ، وللدار التى يقيم فيها الفلاح ! فظهر جليا أن نقص المحاصيل كان راجعا إلى ضعف الحافز على الإنتاج نتيجة مقاومة الحافز الفردى وقهره ، وأن العلاج هو الاعتراف - لو جزئيا - لهذا الدافع بحق الوجود !

ويغنينا هذا عن مزيد من الجدل النظرى الذى لا يصل - مع الماديين - إلى نتيجة !

{وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) } [سورة الأعراف 7/146]

يقيم الماديون تفسيرهم للحياة البشرية على أساس أن الصراع الطبقى هو قوام هذه الحياة منذ خرج الناس من الشيوعية الأولى حتى يعودا إلى الشيوعية الثانية ، وأن هذا الصراع الطبقى متعلق بالملكية الفردية فلا يزول من الأرض حتى تزال الملكية الفردية .. وبمجرد أن تزول الملكية الفردية يرجع الناس إلى الحياة الملائكية التى كانوا عليها أيام الشيوعية الأولى وتستريح البشرية من الصراع ..

وكما قلنا مع الملكية الفردية نقول مع الصراع الطبقى ..

صحيح ما يقولون .. ولكنها صحة محددة بنطاق معين ، وليست صحة مطلقة ..

صحيح بالنسبة للجاهليات .. ففى الجاهليات يصدق القول بأن الذى يملك هو الذى يحكم ، وحين يحكم يشرع لصالح نفسه وصالح طبقته على حساب بقية الطبقات .. ومن ثم ينشأ صراع بين الطبقات ، ويدور الصراع حول متاع الأرض ، لأن الجاهلية مفتونة أبدا بمتاع الأرض ، ولأنه في غياب القيم العليا لا يبقى للناس إلا متاع الأرض يتصارعون حوله ويتقاتلون عليه .

أما في النظام الربانى فليست هناك - بادئ ذى بدء - طبقات ! ومن ثم فلا يوجد صراع طبقى !

ومن كان في شك من هذه الحقيقة فليرجع إلى تعريف"الطبقة"وتعريف"الصراع الطبقى"عند الماديين أو عند غيرهم سواء .

الطبقة مجموعة من الناس يجمع بينهم وضع اقتصادى معين ، ومن ثم تجمع بينهم مصالح اقتصادية معينة ، ويشملهم وضع تشريعى معين ، فهم إما الطبقة التى تملك ، ومن ثم فهى التى تحكم ، وإما الطبقة التى لا تملك ومن ثم فهى لا تحكم ، وإنما يقع الحكم عليها .

وبيان ذلك من عهود الرق والإقطاع والرأسمالية كالآتى:

فى عهد الرق كان الناس طبقتين رئيسيتين: طبقة السادة وطبقة العبيد . السادة يملكون كل شئ ، ويملكون جميع الامتيازات ، والعبيد من بين"الأشياء"التى يملكها السادة ، لا حقوق لهم ، والسيد يتصرف فيهم كما يشاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت