فهرس الكتاب

الصفحة 17077 من 27364

إنما الذى يناسب البحث العلمى أن نقول إن الأرض كانت موجودة من قبل ولكنها لم تستثر حاسة الملك عند الناس لأنه لم تكن هناك فائدة تتحقق من امتلاكها . وبمجرد ظهور الفائدة تحركت الحاسة التى كانت موجودة من قبل في حالة كمون ، فنشطت وتحركت للعمل .

وقد تكرر هذا في التاريخ أكثر من مرة .

فالحيوانات قبل استئناسها كانت موجودة ، ولكنها لم تستثر حاسة الملك لأنه لا فائدة تتحقق من امتلاكها وهى على تلك الصورة . ولكن بمجرد أن أمكن استئناسها . وظهرت الفائدة منها ، سعى الناس إلى امتلاكها ملكية قبلية أولا ثم ملكية فردية بعد ذلك حين نمت شخصية الفرد واستقل بوجوده الذاتى عن القبلية ، ولم يكن للزراعة دخل في هذا الأمر على الإطلاق ! إنما يرجع الأمر إلى أصلين كبيرين الأصل الأول: هو وجود الفائدة من التملك او عدم وجودها ، والأصل الثانى هو درجة النمو الاجتماعى الذى يكون عليه الفرد ، وهل هو فرد في قبيلة أم فرد في تجمع أكبر من القبيلة ، فحين يكون فردا في قبيلة تكون القبيلة هى"الوحدة"النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى يمارس الفرد من خلالها وجوده ، فلا تكون الملكية للفرد ولكن تكون للقبيلة في مجموعها ، ثم تتناحر القبائل فيما بينها على الملكية إذا كانت الجاهلية هى التى تحكمها وحين يكون فردا في تجمع أكبر من القبيلة يكون وجوده الفردى أكثر بروزا إلى أن يصبح فردا في أمة فتكون ذاتيته الفردية في أبرز أوضاعها ، ثم يتناحر الأفراد من خلال وجودهم الفردى أو وجودهم الطبقى - إذا كانت الجاهلية هى التى تحكمهم .

وعلى ذلك نقول إن الشيوعية الأولى - على فرض وجودها - ليست دليلا يقينيا على عدم وجود نزعة فطرية للتملك ، إنما هى دليل فقط على عدم وجود نشاط ظاهرة لهذه النزعة في تلك الفترة ، لأنها نشطت بالفعل بمجرد وجود حوافز تستثيرها .

ونقول ثانيا - على فرض وجودها - ليست دليلا يقينيا على عدم وجود نزعة فطرية للتملك ، إنما هى دليل فقط على عدم وجود نشاط ظاهرة لهذه النزعة في تلك الفترة ، لأنها نشطت بالفعل بمجرد وجود حوافز تستثيرها .

ونقول ثانيا إن هذه النزعة يمكن أن تهذب إلى درجة عالية جدا توشك أن تحولها إلى نزعة جماعية كما صنع التهذيب الإسلامى بالأنصار حتى جعلهم يؤثرون المهاجرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، ويقتسمون معهم كل ما يملكون من متاع الحياة الدنيا ، حتى قال الله فيهم .

{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) } [سورة الحشر 59/9]

ولكن هذا التهذيب لا يلغى النزعة الفطرية من أساسها ، إنما يرفعها إلى أنبل صورها مع الإبقاء على أصلها ، ولو كان الله منزل هذا الدين .. الذى هذب النفوس إلى هذا الحد الرفيع ، يعلم - سبحانه وتعالى - أن إلغاءها بدلا من إبقائها وتهذيبها أنفع للإنسان ، أو أنسب لطبيعته ، لشرع سبحانه إلغاءها . ولكنا نجد التشريعات كلها والنصوص كلها تؤكد وجودها في فطرة الإنسان ، ولكنها فقط تعمل على تهذيبها إلى أقصى ما يملك البشر من أفاق التهذيب ، وهذا نموذج من النصوص التى تحوى الإثبات والدعوة في ذات الوقت إلى التسامى .

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17) } [سورة آل 3/14-17]

فإذا كان الماديون لا يؤمنون بهذا الحديث كله ويشمئزون من ذكره ، فإننا نقول لهم أخيرا إن نزعة الملكية الفردية يمكن أن تقهر قهرا كاملا كما حدث في ظل الشيوعية . ولكن هذا أيضا لا يزيلها من منبتها ! والدليل على ذلك شيئان حدث في التطبيق الشيوعى ذاته يهدمان النظرية من أساسها ، ويؤكدان أن الملكية الفردية نزعة فطرية أصيلة في النفس البشرية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت