فهرس الكتاب
ومن البركات التى تصيبهم في الدنيا نجاتهم من أن يكونوا عبيد للأرباب الزائفة في الأرض ، وشعورهم بالعزة الحقيقية التى يستمدونها من الاستعلاء بالإيمان ، فلا تذل تفوسهم لطغاة الأرض ، ولا يسمحون لأحد أن يجعل من نفسه ربا يشرع بغير ما أنزل الله ، لأنهم يستمدون العزة والقوة ممن هو أكبر منهم وأعلى .. الله أكبر .
ومن البركات كذلك الرخاء الذى يسبغه الله على الأض المؤمنة من خيرات السماء التى يفيضها عليهم ، ومن تكافل الأمة المؤمنة فيما بينها ، فلا يستمتع فريق بالخيرات وحده ويظل فريق في الحرمان .
وعندئذ توجد الملكية الفردية ولا يوجد معها الظلم والشر الذى يصاحبها في الجاهلية . لأن الذى يملك هنا لا يحكم ! أى لا يضع تشريعات من عنده يصوغها لمصلحته على حساب الآخرين .. إنما تكون الحاكمية لله ، هو الذى يحل ويحرم وهو الذى يضع التشريعات التى يخضع لها الحاكم والمحكوم سواء ، والتى يتوفر فيها العدل الحقيقى لأنها منزلة من عند رب الجميع الذى لا يحابى أحدا من البشر على حساب أحد .
وقد تقع المظالم في ظل المنهج الربانى من سوء التطبيق لما أنزل الله ، ومن جور الحكام الذى يحدث من عصيانهم لله ، وحكمهم في بعض القضايا بغير ما أنزل الله ، وإن كانوا لا يضعون تشريعات من عند أنفسهم تخالف ما أنزل الله ، ولا يجعلون مخالفتهم تشريعا يلزمون به الناس ، وإلا لكفروا بذلك كفرا صريحا وخرجوا من ملة الإسلام . وعندئذ نلحظ أمرين هامين: الأول: أن حجم الظلم الذى يقع على مجموع الأمة أقل بكثير من الظلم الذى يقع في الجاهليات التى لاتحكم بما أنزل الله ، والثانى: أن الأمة مطالبة بكف هذا الظلم ومنعه من الاستمرار ، وإلا فهم أثمون في حق الله ، كما أنهم أثمون في حق أنفسهم"ما من نبى بعثه الله في أمة قبلى إلا كان له حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنه تخلف من بعد ذلك خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون . فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل (1) "
وهكذا يتبدى لنا أن الشر لاينجم من الملكية الفردية في ذاتها ، فيكون العلاج هو بترها من منبتها ، إنما ينجم من طبيعة الجاهلية التى لا تحكم بما أنزل الله ، فيكون العلاج هو القضاء على الجاهلية وتححكيم شريعة الله ن وعندئذ تبقى الملكية الفردية التى شرعها الله لتستجيب للفطرة التى خلفها الله . تبقى على النحو الذى شرعه الله ، وبالحدود والضوابط التى أنزلها الله .. ولا ينشأ الظلم الذى حرمه الله !
وقد أقفل الماديون كل باب للإصلاح ، وقالوا لا إصلاح على الإطلاق إلا بإلغاء الملكية الفردية إلغاء باتا لا هوادة فيه ، فلما قيل لهم إن ذلك مضاد للفطرة ردوا -"علميا"كعهدهم في كل شئ - فقالوا أولا إن الملكية الفردية ليست نزعة فطرية ، وإنما هى مكتسبة ن وقالوا ثانيا: إنه لا توجد"فطرة"إنما تنشأ المشاعر والأفكار والمواقف انعكاسا من الوضع المادى وتبعا له ، ولا شئ منها ثابت على الإطلاق !
(1) أخرجه مسلم .
وبصرف النظر عن التناقض الضمنى بين القول الأول والثانى ، لأن الأول يتضمن الاعتراف بوجود نزعات فطرية في النفس البشرية وإن نفى الملكية الفردية من بينها ، والثانى ينفى وجود نزعات فطرية على الإطلاق .. بصرف النظر عن هذا التناقض نقول إن ادعاءهم بأن الملكية الفردية ليست نزعة فطرية هو مجرد ادعاء ليس عليه دليل علمى واحد .. إلا ذلك الدليل"غير العلمى"وهو وجود الشيوعية الأولى ، التى افترضوها كأنها حقيقة مؤكدة ثم راحوا يستنبطون منها كل ما يراود مزاجهم من التصورات والتطبيقات ، سواء في نزع الملكية الفردية أو في إباحة الفوضى الجنسية وتفتيت الأسرة أو في غير ذلك من المجالات .
ولقد ناقشنا تلك الشيوعية من قبل: ورأينا أولا أنه لا يوجد دليل يقينى عليها . ورأينا ثانيا أن أوصافها المزعومة ليست كلها منطبقة على المصدر الذى استمدوا منه كل افتراضاتهم ، وهو القبائل المنعزلة التى عثر عليها في العهود الأخيرة . ولا على ما هو معلوم من أحوال القبائل القديمة من سجلات التاريخ .
ولكنا نفترض أن ما يقولونه صحيح كل الصحة فيما يتعلق بعدم وجود ملكية فردية في المأكل والمسكن لدى القبائل الأولى التى كانت في بداوة البشرية ، فما الدلالة"اليقينية"التى يمكن استنباطها من هذا الوضع؟
إننا لا نستطيع أن نستنبط من ذلك يقينا أن الملكية الفردية ليست نزعة فطرية ! وذلك من أقوالهم ذاتها ! فهم أنفسهم يقولون إنه بمجرد اكتشاف الزراعة ظهرت الملكية الفردية ! فكيف ظهرت ؟ !
إن القول بأن الزراعة هى التى أنشأت الملكية الفردية بذاتها - من عند نفسها لا بدافع من النفس البشرية - هو قول ساذج غبى لا يثبت للبحث العلمى ولو رددوه في كل كتبهم بلا استثناء .