فهرس الكتاب
فيما أنه هو الخالق فهو صاحب الأمر ، ولا يحق لأحد أن يكون صاحب الأمر إلا أن يكون هو الخالق ، أو يكون خالقا مع الله . ولذلك يدور الجدل والحوار كله مع الكفار في القرآن بشأن قضية عبادة غير الله على محور واحد / هل أولئك الذين تطيعون تشريعهم من دون الله هم الخالقون ؟ أم لهم شرك في الخلق ؟ فإن لم يكونوا خالقين ، ولا لهم شرك في الخلق ، فليس لهم أن يحلوا أو يحرموا مع الله أو من دون اله .
{قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) } [سورة الرعد 13/16]
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (40) } [سورة فاطر 35/40]
ولم يكن ذلك في أمر العبادة بمعنى الاعتقاد فقط ، أو بمعنى التوجه إلى الله بشعائر التعبد فقط ، إنما كان كذلك في أمر العبادة بمعنى اتباع ما أنزل الله:
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [سورة الشورى 42/21]
{اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (3) } [سورة الأعراف 7/3]
وحين دخل عدى بن حاتم ( وكان نصرانيا ) على رسول الله صلى الله عليم وسلم ليعلن إسلامه تلا رسول ا صلى الله عليه وسلم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) } [سورة التوبة 9/31] فأحتج عدى بن حاتم على الشق الخاص بعبادة الأحبار والرهبان فقال: يا رسول الله ما عبدوهم ! قال رسول ا صلى الله عليه وسلم: ألم يحلوا لهم الحرام فأحلوه ، وحرموا عليهم الحلال فحرموه ؟ قال: بلى ! قال: فتلك عبادتهم إياهم !
وحين يخرج الناس على عبادة الله فإنهم يخرجون على مقتضى عبوديتهم ، فيصيبهم جزاء ذلك الخروج خبالا في الدنيا وجحيما في الأخرة .
وخبال الدنيا هو انقسام المجتمع إلى فريقى السادة والعبيد: السادة يملكون ويحكمون ويشرعون من عند أنفسهم ، فتكون تشريعاتهم لصالح أنفسهم على حساب العبيد . والعبيد - الذين رضوا بالعبودية لغير الله فأصبحوا عبيدا للبشر مثلهم - تقع عليهم التكاليف ويقع عليهم الظلم ويقع عليهم الحرمان .
ومن ثم تكون الملكية الفردية وبالا في الجاهلية . لا لأنها بطبيعتها كذلك .. ولكنها لأنها تصبح عندئذ أداة الظلم التى تمكن للسادة في جعل أنفسهم أربابا للعبيد .
والسادة والعبيد كلاهما في الجاهلية قد رفضوا العبودية لله فتلقفتهم الشياطين: وجزاؤهم في الآخرة جهنم وبئس القرار . أما في الدنيا فيستمتع السادة متاع الحيوان:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) } [سورة محمد 47/12]
أما العبيد - أى الذين لا يملكون - فلهم ذات الجزاء في الآخرة لأنهم نكلوا عن عبادة الله ورضوا بعبادة العبيد ، وفى الوقت ذاته لهم في الدنيا البؤس والشقاء والظلم يتجرعونه جزاء رضاهم باستعباد أنفسهم لأولئك الأرباب من دون الله .
أما حين يستقيم الناس على أمرا الله ، فيعبدونه وحده بلا شريك ، ويرفضون العبودية لأحد مع الله أو من دون الله ، أى يرفضون التوجه بشعائر التعبد لغير الله ، ويرفضون أن يتلقوا التشريع من عند أحد غير الله ، فعندئذ يكونون قائمين بمقضتى عبوديتهم لله الحق ، فيصيبهم جزاء ذلك بركة في حياتهم في الدنيا ورضوانا من الله في الآخرة .
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [سورة الأعراف 7/96]
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [سورة المائدة 5/65-66]