فهرس الكتاب

الصفحة 17074 من 27364

إنما أرادوا - كما اسلفنا - أن ينزعوا الملكية الفردية جميعا ويركزوا الملكية في يد الدولة التى يسيطرون هم عليها في واقع الأمر . فزعموا للناس أن المصائب كلها نشأت من الملكية الفردية بعدزوال الشيوعية الأولى ذات الطابع الملائكى وأنهم عائدون بالبشرية إلى ملائكيتها المفقودة بنزع الملكية الفردية جميعا في الشيوعية الثانية ! وذلك ترغيبا"للزبائن"المحرومين من الملك الحاقدين على الملاك وهم أكثرية الناس في المجتمعات الإقطاعية والرأسمالية - حتى يعتنقوا الشيوعية ويؤازروها ، ويكونوا مددا لها وسندا في كل مكان في الأرض !

4-الملكية الفردية:

أشرنا فيما سلف أكثر من إشارة إلى قضية الملكية الفردية ووضعها في التفسير المادى للتاريخ . ومع ذلك أفردنا لها حديثا خاصا لشدة أهميتها سواء في التصور المادى أو في التطبيق الشيوعى .

يرى أصحاب التفسير المادى للتاريخ أن الملكية الفردية هى سبب كل الشرور التى حلت بالبشرية منذ خروجها من مرحلة الشيوعية الأولى إلى أن تعود الشيوعية الثانية فتلغيها وتلغى معها الشرور الناشئة عنها .

وينشأ الشر من أن الذى يملكن هو الذى يحكم ، وحين يحكم فإنه يضع التشريعات التى تخدم مصالحه ومصالح طبقته على حساب بقية الطبقات .

ويرى الماديون كذلك أن الملكية الفردية ليست نزعة فطرية في النفس البشرية بدليل فترة الشيوعية الأولى التى لم تكن فها ملكية فردية . إنما هى أمر مكتسب ، اكتسبته البشرية بعد أن اكتشفت ( أو تعلمت ) الزراعة ، حيث أدى ذلك إلى انتهاء فترة الشيوعية الأولى ودخول البشرية في مرحتلى الرق والإقطاع . ثم لما تحولت الملكية من ملكية زراعية إلى ملكية صناعية رأسمالية دخلت البشرية مرحلة الرأسمالية .

ويرون أن الصراع الطبقى الذى يدور عليه تاريخ البشرية كله فيما بين الشيوعية الأولى والشيوعية الأخيرة قائم كله على الملكية الفردية ومتعلق بها وأن هذا الصراع لا يزول من الأرض إلا بإزالة السبب المتعلق به أى إزالة الملكية الفردية في جميع صورها .

بعض هذا الذى يراه أصحاب التفسير المادى للتاريخ صحيح ولا شك ، ولكن صحته قائمة في نطاق محدد لا تتعداه إلى التعميم المطلق ، وفضلا عن ذلك فإن المغالطات والأوهام حول الملكية الفردية أكثر بكثير م الحقائق الواردة حولها مع كون هذه الأخيرة محددة في نطاق معين وليست مطلقة الصحة في جميع الحالات.

فكون الذى يملك هو الذى يحكم ، وكونه حين يحكم يشرع لصالحه وصالح طبقته على حساب بقية الطبقات .. هذا صحيح صحة كاملة ، ولكن في نطاق الجاهليات وحدها التى تحكم بشرائع البشر ولا تحكم بشريعة الله .

(1) سنرى عند مناقشة التطبيق الواقعى للشيوعية أنهم عجزوا عن تحقيق المساواة الكاملة فتراجعوا عنها وعللوا تراجعهم بأنهم ما زالوا في مرحلة الاشتراكية ولم يصلوا إلى التطبيق الشيوعى بعد.

وحقيقة أن الجاهليات تحتل القسم الأكبر من التاريخ البشرى ! ولكن وجود نظام إيمانى تحكم فيه شريعة الله بدلا من شرائع البشر حقيقة موضوعية . والأمانة العلمية تقتضى استثناءه من القاعدة العامة التى يضعها التفسير المادى للتاريخ . ولو أن التفسير المادى للتاريخ وضع هذا الاستثناء وأشار إليه ما كان لنا عليه اعتراض في هذه النقطة بالذات ( وإن كانت لنا عليه اعتراضات في مواضع أخرى أشرنا إلى بعضها في حينها ونشير إلى بعضها الآخر فيما بعد ) فتاريخ الجاهليات بالفعل تاريخ ظالم شديد الظلم ، ينقسم فيه الناس دائما إلى سادة وعبيد ، سادة يملكون ويحكمون ويشرعون وعبيد لا يملكون شيئا ولا يحكمون ولا يشرعون ، إنما تقع على عاتقهم الأعباء التى يلقيها عليهم الحكام .

وانقسام المجتمع إلى سادة وعبيد ( أو إلى الذين استكبروا والذين استضعفوا كما جاء في القرآن الكريم ) يتصل بالفعل بقضية الملكية الفردية ، ولكن حصره في هذه القضية ، أو في النطاق المادى والاقتصادى بصفة عامة هو حجب للحقيقة الأصلية التى تنشأ عنها تلك الحقيقة الفرعية التى يركز عليها التفسير المادى للتاريخ.

الحقيقة الأصلية التى لا يجب الماديون ذكرها على الإطلاق ، ولا يؤمنون بها كذلك ، هى قضية الألوهية وقضية العبودية قضية الإله وما ينبغى له على عباده ، والعبادة وما ينبغى عليهم تجاه إلههم وخالقهم ، ثم ما يترتب على مخالفة هذه المقتضيات من خلل في حياة البشرية .

إن من حق الله على عباده أن يعبدوه ( بالمعنى الشامل للعبادة الذى يشمل الاعتقاد بوحدانيته ، وتوجيه الشعائر التعبدية إليه وحده ، وطاعته فيما أمر به ونهى عنه ، وعدم الاحتكام في أى أمر من أمور حياتهم إلى شريعة غير شريعته ) وذلك بمقتضى أنه إلههم وخالقهم: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [سورة الأعراف 7/54]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت