فهرس الكتاب
وقال ماركس وحواريوه إن المراحل التاريخية حتمية ، وترتيبها كذلك حتمى وإنه لا يمكن لأى مجموعة من البشر أن تسبق طورها التاريخى ، لأن كل طور له أداة مادية أو اقتصادية يتم التحول عن طريقها ، فلا يمكن التحول دون وجود هذه الأداة ، فلابد أن يمر ابشر بالمراحل التاريخية الخمس بصورة حتمية: من الشيوعية الأولى إلى الرق إلاى الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الشيوعية الثانية .
ويعلم الناس فىكل الأرض أن أكبر دولتين شيوعيتين وهما روسيا والصين قد قفزتا مباشرة من مرحلة الإقطاع إلى مرحلة الشيوعية دون وجود أداة التحول التاريخية وهى الصراع الطبقى بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال ، وأن كلتا الدولتين لم تدخل المرحلة الصناعية إلا بعد دخولها في الشيوعية !
أين الحتميات إذن ؟!
إنما هى من أولها لآخرها قصة مدعاة ، للإيحاء الناس بأن الشيوعية هى النهاية الحتمية لكل البشرية ، فخير لهم أن يدخلوها طائعين بدلا من أن يدخلوها كارهين !
ومن أجل هذا الهدف الدعائى البحت تختلق التفسيرات"العلمية"وتلفق النظريات !
التفسير الجاهلى للتاريخ
كنا إلى هذه اللحظة نناقش التفسير المادى ، فنجد في كل مرة ثغرة تؤدى إلى ضلالة من ضلالات هذا التفسير . وقد آن لنا أن ندعوه باسمه اللائق به"فنسميه"التفسير الجاهلى للتاريخ !
والسبب في هذه التسمية أولا: أنه لا يتعامل إلا مع جاهليات التاريخ . مسقطا إسقاطا تاما فترات الهدى في التاريخ البشرى ، وأهمها بطبيعة الحالة الإسلام .
وثانيا: أنه يفسر التاريخ من زاوية جاهلية بحتة ، أى على أساس القيم الجاهلية وهى القيم المادية الخالصة . فهذا شأن معظم الجاهليات التاريخية . أنها تبرز القيم المادية والاقتصادية وتهمل ماعداها من القيم الإنسانية العليا ، لا لأنها غير موجودة في الحقيقة ولكن لأنها هى تفتقدها بسبب كونها جاهلية .
ولأن هذه القيم المادية الجاهلية ليست هى كل ما في الحياة البشرية ، فإن التفسير الجاهلى للتاريخ يعجز عجزا تاما عن تفسير أى فترة من حياة البشرية تقوم على قيم أخرى غير القيم الجاهلية .
وأشد ما يعجز التفسير الجاهلى عن تفسيره هو الإسلام !
ولقد شغل الإسلام رقعة فسيحة من الأرض ، ورقعة فسيحة من التاريخ وأى تفسير يتجاهله فهو تفسير غير علمى ، وأى تفسير يعجز عن تفسيره فهو غير صالح لتفسير التاريخ البشرى .
ونحن نتحدى التفسير الجاهلى للتاريخ أن يفسر لنا هذه الظاهرة التى شغلت هذه الرقعة الفسيحة من الأرض ، وهذه الرقعة الفسيحة من التاريخ ، وكانت واقعا مشهودا استمر وجوده عاملا في الأرض أكثر من عشرة قرون ، ومازال قائما حتى اليوم ، ومازال قادرا على أن ينبعث من جديد بعد أن اعترضته فترة من الخمود .
لماذا ظهر الإسلام في تلك الفترة من التاريخ البشرى ، وكيف ظهر على هذه الصورة المخالفة للبيئة في أكثر سماتها ، والمخالفة لكل حتميات التاريخ المزعومة ؟!
أما نحن فنؤمن أنه من عند الله وأنه نزل بقدر الله ، في الوقت الذى اختاره الله ..
وأما هم فإنهم لا يؤمنون بالله .. فليفسروا لنا إذن هذه الظاهرة العجيبة في التاريخ !
فليفسروا لنا كيف ظهر رجل في تلك الصحراء في تلك الحقبة السحيقة من الزمن قبل أربعة عشر قرنا يدعو إلى عبادة الله الواحد بلا شريك ، ونبذ الأرباب الزائفة كلها ، سواء كانت أصناما محسوسة ، أو بشرا تضفى عليهم القداسة الزائفة فتسجد لهم الناس كالملوك والأباطرة ، أو بشرا يشرعون للناس من عند انفسهم بغير سلطان منزل من عند الله، أو عرفا جاهليا ، أو وهما تبتدعه رؤوس الناس وتتعبده بالوهم ، ويحرر البشرية بذلك - في نصاعة وحسم - من حكم الطواغيت ، ومن كل عبودية ملة لكرامة الإنسان ، برد العبودية إلى المعبود الحق الذى يكرم البشر بعبادته ، وتتحرر عقولهم ووجدانهم ومشاعرهم كما يتحرر كيانهم كله ، فينطلقون أحرارا في الأرض ينشرون الحق والعدل ويحطمون الطواغيت المستبدة بالبشر في صورة نظم ودول وجيوش ، ويقيمون مجتمعا إنسانيا يتمتع المؤمنون فيه بالأخوة الإنسانية على قدم المساواة ، ويتمتع غير المؤمنين بهذا الدين بالعدل الربانى دون إكراه على اعتناق العقيدة.
وفى الوقت الذى كانت الديانات كلها - سواء كانت سماوية محرفة أو وثنيات من صنع البشر - تقيم بين البشر وربهم وسطاء من الكهنة و"رجال الدين"أو من الأصنام والأوثان ، أو من الأرواح الخيرة أو الشريرة .. يجئ هذا الداعية فيلغى كل وساطة بين العبد والرب ، ويربط القلب البشرى بالله مباشرة بلا وسيط:
{وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [سورة غافر 40/60]
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي} [سورة البقرة 2/186]