فهرس الكتاب

الصفحة 17085 من 27364

وفى الوقت الذى يتجبر فيه الأغنياء على الفقر في كل الأرض يجيئ هذا الداعية فيلغى سلطان الأغنياء المتجبرين ، لا على اساس الحقد الطبى ، ولكن على أساس الحق والعدل الأزليين ، فلا يزيل"طبقة"ويحل محلها"طبقة". ولا يعطى السلطان للفقراء بوصفهم فقراء ، بل ينزع السلطان من البشر جميعا ، أغنيائهم وفقرائهم على السواء ويرده إلى الله، ويقدم شريعة يخضع لها الناس جميعا حكاما ومحكومين ، ليست من صوغ هؤلاء ولا هؤلاء ، شريعة تتعامل مع"لإنسان"من حيث هو إنسان ، فتلبى جميع احتياجه الروحية والفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والخلقية ، وترسم له المنهج المتكامل الذى تستقيم به الحياة وتتوازن وتترابط ، على نحو غير مسبوق من قبل ولا ملحوق من بعد في كل ما كان من دساتير البشرية إلى اليوم .

وفى الوقت الذى كان"الدين"فى كثير من بقاع الأرض أو في كل بقاع الأرض يرتبط في نفوس الناس بالخضوع والاستكانة - لا لله وحده المعبود الحق - بل لأوضاع ظالمة في المجتمع ما أنزل الله بها من سلطان ، ويرعى الكهنة ورجال الدين هذا الذل وينمونه في نفوس الناس باسم الدين فيخضعونهم للمتجبرين من ذوى السلطان ، يجئ هذا الداعية فيقول للناس إن من رضى بالظلم في الدنيا وهو قادر على إزالته أو الخروج من سلطانه فلا مكان له عند الله في الآخرة وله عذاب عظيم ، ويصبح أسمهم"ظالمى أنفسهم": {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً (99) } [سورة النساء 4/97-99]

وفى الوقت الذى تهان فيه المرأة وتحتقر ، يدعو إلى تكريمها ورعايتها ويبرز إنسانيتها .؟

وفى الوقت الذى يسام فيه الرقيق أقسى أنواع المهانة والخسف يدعو لتحرير الرقيق وإحسان معاملته على أساس إنسانى .

وفى الوقت .. وفى الوقت .. وفى الوقت ..

ثم ليفسروا لنا كيف استطاع هذا الرجل أن يربى على هذه المبادئ أمة .. أمة كانت مجموعة من القبائل المتناثرة المتناحرة تأبى أن تتحد وتتألف مع وجود كل العناصر التى تدعو إلى التألف .. وحدة الأرض ، ووحدة اللغة ، ووحدة العقائد ، ووحد الثقافة ، ووحدة التاريخ ، ووحدة الجنس .. ومع ذلك تحول بين توحدهم ثارات الجاهلية ونزاعاتها التافهة التى لا تساوى لحظة واحدة من الصراع ! ومن هذه الشتيت المتناثرة لا يبنى هذا الرجل أمة - أى أمة - وإنما أمة فريدة في التاريخ ، أمة عقيدة .. أمة لا تقوم على رابطة الأرض ، ولا رابطة الدم ، ولا رابطة اللغة ولا رابطة المصالحة القريبة ، إنما تقوم على رابطة العقيدة ، فيجتمع فيها العربى القرشى ، والحبشى والرومى والفارسى ، على قاعدة واحدة من المساواة في الإنسانية والمساواة في العقيدة ، ويكون التمايز بينهم على قاعدة جديدة كل الجدة على تلك البيئة بل على البشرية كلها يومئذ {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [سورة الحجرات 49/13]

أمة تقوم على الأخوة في الله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [سورة الحجرات 49/10]

أمة تقوم على التكافل: {وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [سورة الحشر 59/9]

أمة تقوم على العدل الربانى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [سورة النساء 4/58]

باختصار .. أمة فريدة في التاريخ ..

وليفسروا لنا كذلك كيف انساحت هذه الأمة في أرجاء الأرض بهذه السرعة المذهلة ، لا غازية للأرض ، ولا مستعبدة للناس ، ولكن ناشرة لتلك العقيدة التى تزيل القداسة عن البشر وتوجه العبادة لله وحده ، وتدعوا إلى الأخوة والتكافل ، وتدعوا إلى تحرير المرأة وتحرير الرقيق .. فتنتشر هذه المبادئ كلها بالسرعة المذهلة التى تفتح بها الأرض !

فليفسروا لنا هذا كله بمقتضى تفسيرهم الجاهلى للتاريخ !

أى تغير مادى حدث في الجزيرة العربية - بل في العالم أجمع - أدى إلى ظهور هذا الرج صلى الله عليه وسلم بهذه الدعوة ونشرها هو وأبتاعه من بعده في أرجاء الأرض ؟!

أى تغير اقتصادى حدث في الجزيرة العربية - بل في العالم أجمع - أدى إلى ظهوره ؟

أى حتمية تاريخية يمكن أن ينشأ عنها هذا الحدث الضخم ، الذى ما تزال ضخامته قائمة حتى اللحظة ؟!

البيئة هى البيئة .. ما تغيرت قبل بعثة رسول ا صلى الله عليه وسلم ولا بعد بعثته لعدة قرون ..

الوضع الاقتصادى هو الوضع الاقتصادى: البيئة الرعوية في الجزيرة العربية برمتها ، والبيئة التجارية في مكة والمدينة ..

أما التاريخ .. فلننظر حتميات التاريخ ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت