فهرس الكتاب
بعد سبعة قرون من مولد هذه الدعوة قامت في أوربا حركة تحرير العبيد .. وحين قامت فإنها لم تحرر العبيد تماما وإنما حررتهم من قبضة السيد ليكونوا عبيدا للأرض . وبعد عشرة قرون كاملة بل أكثر حررتهم الثورة الفرنسية من جحيم الإقطاع ! والإسلام حررهم قبل ذلك بعشرة قورن !
بعد اثنى عشر قرنا من مولد هذه الدعوة أو أكثر قامت في أوربا حركة تحرير المرأة ، التى أعطت المرأة بعض الحقوق التى كفلها لها الإسلام ، ومازالت بعض الحقوق لم تحصل عليها إلى هذه اللحظة .
بعد اثنى عشر قرنا من مولد هذه الدعوة بدأت الدعوة إلى"الديمقراطية"القائمة على الشورى ونزع السلطة الطاغية من الحكام ، وهى الدعوة التى أعطت الناس حقوقا وضمانات لم تكن لهم في عهود الإقطاع ، وإن كانت"الطبقة"المالكة ما تزال هى الحاكمة من وراء الستار .. بينما أعطى الإسلام كل الضمانات وكل الحقوق قبل ذلك باثنى عشر قرنا مع ورد السلطة إلى الله لا إلى المالكين من عباد الله !
بعد أربعة عشر قرنا من مولد هذه الدعوة ما تزال العنصرية البغيضة قائمة في الأرض ، تقوم على أساسها دول وتقوم من أجلها حروب ، ويعامل"الملونون"فيها على أيدى البيض تلك المعاملة الزرية التى يعرفها الناس في أمريكا وجنوب أفريقيا وفى كل مكان: بينما الإسلام - قبل أربعة عشر قرنا - قد صهر الأجناس والألوان واللغات والشعوب في أمة واحدة على قدم المساواة حين ربطهم بالعقيدة الواحدة في الله .
بعد أربعة عشر قرنا من مولد هذه الدعوة ما يزال مبدأ كفالة الدولة لجميع أفراد شعبها غير تام التطبيق في الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية ، والدولة الشيوعية التى تطبقه تطبقه على حساب كرامة الإنسان ، وتستذل الناس بلقمة العيش لكى يخضعوا للسلطان ، بينما قرر الإسلام هذا المبدأ منذ أربعة عشر قرنا مع المحافظة التامة على إنسانية الإنسان وكرامته .
ويطول بنا المقام إذا مضينا نعدد المواضع التى سبق به الإسلام كل حتميات التاريخ المزعومة ، أو التى تفرد بها التاريخ !
فكيف يفسر لنا التفسير الجاهلى للتاريخ ظهور الإسلام وانتشار الإسلام والمبادئ والقيم التى أقرها الإسلام ؟!
هل الوضع المادى والاقتصادى هو الذى غير الناس في الجزيرة العربية والأرض التى فتحها الإسلام ، أم إنه العقيدة ، وإيمان الناس بالله ، وبالحق والعدل الأزليين ؟! وهى أشياء ليست في المادة ، ولا هى من صنع المادة ، إنما هى في عقول الناس وقلوبهم ومشاعرهم !
وكيف تغير"أسلوب التبادل"فلم يعد رقا ولم يعد إقطاعا إنما صار تكافلا وأخوة في المجتمع ؟ الأسباب مادية أم لعقيدة ملأت النفوس فبعثت الناس يغيرون أسلوب التبادل ليخضعوه لشريعة الله التى تمنع الظلم وتحكم بالعدل ؟!
هل كان وجود الناس هو الذى حدد شعورهم أم إن شعورهم هو الذى حدد أسلوب وجودهم ؟!
ماذا يا دعاة التفسير الجاهلى للتاريخ ؟!
لقد كان الإسلام وسيظل أمرا ربانيا لا ينطبق عليه أى تفسير يفسر التاريخ البشرى بالقيم الجاهلية الأرضية ، مادية كانت أو اقتصادية ., ولكنا نأخذ من الإسلام عبرا لدعاة التفسير المادة ودعاة كل تفسير غير التفسير"الإنسانى"للإنسان .
الإسلام أمر ربانى .. نعم
ولكن الدين قاموا بالإسلام بشر ..
ولقد زعم التفسير الجاهلي للتاريخ أن البشر لا يتحركون ولا يتغيرون إلا بسبب تغيرات مادية أو اقتصادية .. وأنهم لا يمكن أن يتحركوا بشئ معنوي: فكرة أو مبدأ أو مبادئ ، لأن هذه كلها تأتي لاحقة للتغير المادي و الاقتصادي و منبثقة عنه .. فوجود الاسلام في الأرض بالصورة التي تم بها يعلمنا غير ذلك تماما ..
يعلمنا أن العقيدة: إيمان الناس بالله ، ولإيمانهم بالحق و العدل الأزليين ، يمكن أن يحدث تغيرات في الأرض أضخم بكثير من أي تغيير حدث نتيجة التغير المادي أو الاقتصادي ..
و يعلمنا أكثر من ذلك أن نوع التغيير الذي تحدثه العقيدة يختلف اختلافا جذريا عن التغير الذي يحدث - لأسباب مادية واقتصادية - بلا عقيدة .. الإسلام نشأة جديدة للإنسان ، على أسس من القيم العليا والمبادئ الرفيعة ، بينما التغيرات الأخرى مجرد تغير جزئى من حالة إلى حالة ، لا يغير شيئا جذريا في الإنسان ، وقد يؤدى به إلى الانتكاس والدمار .. ويعلمنا قبل ذلك وبعد ذلك أن الإنسان ليس مادة .. ولكنه"إنسان"! وأن النظام الذى يتعامل معه على أنه إنسان أفضل بكثير وأعلى بكثير ، وأكثر فاعلية بكثير من النظام الذى يتعامل معه على أنه مادة ، أو على أنه حيوان !
التفسير الإسلامى للتاريج
ليس هنا في الحقيقة مجال الحديث المفصل عن التفسير الإسلامى للتاريخ فذلك موضوع يحتاج إلى بحث مستقل تبسط فيه الفكرة ، وتؤخذ لها النماذج من التاريخ البشرى في شتى عهوده وشتى أحوال البشر فيه .
ولكنه يحسن بنا ونحن بصدد الحديث عن التفسير الجاهلى للتاريخ عرضا ومناقشة أن نلم على الأقل بالخطوط العريضة للتفسير الإسلامى ، لأنه يكاد يكون الوجه المقابل لذلك التفسير في كثير من الأسس التى يقوم عليها .