فهرس الكتاب
وأحسب أننا ألمحنا إلى بعض هذه الخطوط في أثناء مناقشة التفسير المادى ، فالآن نحاول تجميع هذه الخطوط في عرض سريع ، وحسبنا في هذا المقام أن نشير إلى الأسس العامة دون تفصيل .
من البديهيات أن التفسير الإسلامى للتاريخ يتعامل مع الإنسان ابتداء على أنه إنسان ، لا مادة ولا حيوان . وأن التاريخ هو تاريخ الإنسان . أى أن العنصر الفعال فيه هو الإنسان .. الإنسان بمجوعة لا جانب واحد منه . فقد كتب الإنسان هذا التاريخ بكل جوانبه مجتمعة - سواء في حالات الهدى أو حالات الضلال . كتبه بروحه وجسمه وعقله . وكتبه باقتصادياته واجتماعياته وسياسياته . كتبه بالتعامل مع الكون المادى ، ومع الأفكار والقيم ، ومع الأحلام والرؤى ، ومع الواقع والخيال . كتبه بدوافعه الداخلية وتطلعتاته وطموحاته كما كتبه بالضغوط الواقعة عليه من خارج كيانه ! ضغوط الكون المادى والضغوط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية . كتبه بكل ذرة من كيانه . وكل سطر من سطور هذا التاريخ أو إنجاز من إنجازاته فهو صادر من كيان الإنسان كله ، وهو أصيل في صدوره عن مجموع هذا الكيان لا عن جانب واحد من هذا الكيان .
يتعامل التفسير الإسلامى مع الإنسان على أنه قبضة من طين الأض ونفخة من روح الله ، مترابطين متماسكين متفاعلين ، يتكون منهما معا كيان موحد .
{إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) } [سورة ص 38/71-72]
هذا هو تكوين الإنسان: قبضة من طين الأرض ، ونفخة من روح الله ، امتزجتا امتزاجا كاملا وترابطتا وتفاعل كل منهما مع الآخر فأصبح من حصيلتهما ذلك الإنسان الذى نعرفه ونتعامل معه في واقع الحياة .
إنه ليس قبضة طين خالصة كما كان قبل النفخة العلوية فيه ، وليس روحه خالصة طليقة من قبضة الطين ، إنما هو الأمران معا في وحدة مترابطة تختلف في خصائصها اختلافا جذريا عن قبضة الطين الخالصة ونفخة الروح الخالصة ، وإن كانت تحمل بين الحين والحين بعض المشابه من هذه وتلك ، حين تجنح جنوحا شديدا نحو عالم الجسد أو عالم الروح ، ولكنها حتى في تلك الحالات لا تكون مماثلة أبدا لأى من العنصرين منفصلين .
فى لحظة الشهوة الجامحة غير المنضبطة يكون أقرب إلى قبضة الطين ، لأنه يتعامل بجسده أكثر من أى جانب من جوانبه ، ومع ذلك لا يكون أبدا جسدا خالصا كالحيوان ، لأنه فيه - على الأقل - قدرا من الوعى والإرادة والاختيار حتى في هذا العمل اللاصق بالطين ، بينما الحيوان لا يعمل بوعى ولا إرادة حرة ولا اختيار .
وفى لحظة الرفرفة الشفيفة المشرقة المهومة يكون أقرب إلبى نفخة الروح ، لأنه يطنلق بروحه من إطار الحس المحدود . ومع ذلك لا يكون أبدا روحا خالصة كالملائكة لأن له جسدا لا يستطيع أن يتخلص من وجوده ، وعقلا لا يكف تماما عن التفكير . انظر إلى أعلى لحظة وجود عرفها بشر في تاريخ الأرض ، لحظة الوحى المتنزل على رسول ا صلى الله عليه وسلم ، هل كا صلى الله عليه وسلم روحا خالصة وهو يصافح جبريل عليه السلام ويتلقى منه ، استمع إلى قوله تعلى:
{لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) } [سورة القيامة 75/16-19]
فقد تحرك العقل وتحرك اللسان ، خوفا من رسول ا صلى الله عليه وسلم أن يفوته حفظ شئ من التنزيل الربانى ، فطمأنه الله انه لن يضيع منه شئ لأنه سبحانه وتعالى هو المتكفل بحفظه وجمعه وقرآنه ( أى قراءته ) وبيانه .
هذا هو الإنسان بعنصريه المكونين له: قبضة الطين ونفخة الروح .
وكل محاولة لتفسيره بواحد من عنصريه دون الآخر هى محاولة مضللة لا تؤدى إلى حقيقة . سواء فسر من جانب قبضة الطين أو من جانب نفخة الروح .
والجاهليات في التاريخ كله تجنح دائما إلى تفسير الإنسان - سواء نظريا أو عمليا أو هما معا - بجانب واحد من جوانبه ، أو بجانب غالب بحيث يسحق الجانب الآخر ويقهره ويكاد يلغيه .
الجاهليات المادية تبرز جانب الجسد ، وجانب الحس ، وجانب المادة ، فإذا أخذت شيئا من النفخة العلوية أخذت جانب العقل وأبت جانب الروح ، وسخرت العقل - من ثم - في شهوات الجسد ومطالب الحس وعالم المادة ففقد علويته ورفعته ، وأسف مع قبضة الطين ، وأنشأ عمارة مادية للأرض خالية من إشراقة الروح .
والجاهليات الروحية تبرز جانب الروح ، وتهمل الجسد وتكبته وتقهره وتحتقره وتقوم بتعذيبه من أجل رفعة الروح ، كما تفعل الهندوكية والرهبانية ، كما أنها تهمل عالم الحس وعالم المادة ، فلا يقوم الإنسان بعمارة الأرض ، ولا يقاتل الشر والطغيان ، ولا يجاهد لإقامة الحق والعدل ، اكتفاء بلذة"الفناء"فى عالم الروح ، التى يتم من خلالها"الوجود"!