فهرس الكتاب
والجاهلية المعاصرة - كما هو واضح - جاهلية مادية مغرقة في المادية ، سواء في المعسكر الشيوعة أو المعسكر الرأسمالى . قاعدة الحياة مادية بحتة . وقيم الحياة مادية بحتة، وعمارة الأرض على أساس مادى بحت . والتفسير المادى للتاريخ هو واقع الحياة هنا وهناك . وإن كانت النظرية - في الحقيقة - ملكا للشيوعيين . والنظرية أسوأ بكثير حتى من التطبيق ! ففى التطبيق يتعامل كلا المعسكرين مع الإنسان على أساس أنه حيوان ، أو على أساس أنه آلة في بعض الأحيان وحيوان في سائر الأحيان .. أما في النظرية فينفرد المعسكر الشيوعى بالتعامل مع الإنسان على أنه مادة تنطبق عليه قوانين المادة ، لأن الشيوعية خطوة"تقدمية"فى المخطط الكبير الهادف إلى تسخير الأمميين لشعب الله المختار .
من قبضة الطين ونفخة الروح أنشأ الله الإنسان وقال للملائكة إنه سيجعله خليفة في الأرض:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [سورة البقرة 2/30]
والخلافة تتضمن الهيمنة والسيطرة والقدرة على الإنشاء والتعمير والقدرة على التمييز والاختيار .. فأمده الله بالأدوات الصالحة للخلافة:
{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا...} [سورة البقرة 2/31]
{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) } [سورة العلق 96/3-5]
{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) } [سورة النحل 16/78]
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) [سورة البلد 90/8-10]
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) } [سورة الشمس 91/7-10]
{ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [سورة هود 11/61]
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [سورة الجاثية 45/13]
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [سورة الملك 67/15]
وجعل الله للإنسان هدفا شاملا يشمل هذا كله هو عبادة الله ، على المعنى الشامل للعابدة:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) } [سورة الذاريات 51/56]
{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ} [سورة الأنعام 6/162-163]
العبادة هى حق الله على جميع مخلوقاته حق الخالق على المخلوق .. ولكن الله فرض على كل نوع من مخلوقاته عبادة تناسب تكوين ."فالمادة"لها عبادة ، والملائكة لها عبادة ، والإنسان له عبادة .. تشترك جميعا في أنها عباد وأنها"سجود"وأنها"تسبيح"ولكن تختلف في الطريقة .
{أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ} [سورة الحج 22/18]
{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [سورة الإسراء 17/44]
واختص الإنسان بلون من العبادة يناسب اختصاصه بالخلافة ، ويناسب تكوينه من جسد وعقل وروح.
فهو يعبد الله بالسجود والتسبيح على نحو معين علمه الله إياه على يد رسله وخاتمهم رسول ا صلى الله عليه وسلم ، ويعبده بعمارة الأرض بمقتضى المنهج الربانى المنزل من عند الله لتنظيم حياة الناس في الأرض وإقامتها بالقسط .
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [سورة الحديد 57/25]
ففى صلاته وتسبيحه ونسكه هو عابد لله ، وفى مشيه في مناكب الأرض وأكله من رزق الله بالضوابط التى أقامها الله من حلال وحرام هو عابد لله . وفى زواجه وإقامة أسرته ورعايتها في حدود الضوابط والتوجيهات الربانية هو عابد لله . وفى طلبه العلم سواء للتعرف على أوامر ربه ونواهيه ، أو للقيام بعمارة الأرض على المنهج الربانى هو عابد لله. وفى إقامته شريعة الله في الأرض هو عابد لله . وفى قتاله لتكون كلمة الله هى العليا هو عابد لله . . وذلك معنى قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ} [سورة الأنعام 6/162-163]
فإذا تبين ذلك تبينت مهمة الإنسان في الأرض وطبيعة عمله فيها .