فهرس الكتاب

الصفحة 17089 من 27364

ليست مهمة الإنسان أن يأكل ويشرب ويمارس الجنس على طريقة الحيوان وإن كان هذا جزءا من نشاطه وعمله في الأرض ، ولكن على طريقة الإنسان لا على طريقة الحيوان ، أى ملتزما بما أنزل الله من توجيهات وضوابط ومتقيدا بالحلال والحرام .

وليست مهمته هى الإنتاج المادى وحده ، وإن كان هذا جزءا من نشاطه وعمله في الأرض ، لكن على طريقة الإنسان لا على طريقة الآلة ، أى واعيا مدركا لأهدافه العليا ، ملتزما في الإنتاج بالضوابط البرانية التى تحدد الحلال والحرام والحسن والقبيح والمباح والمكروه والمندوب .

مهمته هى"العبادة"بمعناها الشامل الذى يشمل العقيدة الصحيحة ، وشعائر التعبد ، والنشاط الحيوى في شتى مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والفنية .. الخ ملتزما في ذلك كله بمنهج الله .

وفى جميع الأحوال فعمله ذو طبيعة أخلاقية لاصقة به لا يمكن فصلها عنه فهو إما خير وإما شرير . ولا يوجد عمل واحد من أعماله خارج عن نطاق الأخلاق ، سواء كان سياسة أو اقتصادا أو اجتماعا أو فكرا أو فنا ، إلا أن الأخلاق ، سواء كان سياسة أو اقتصادا أو اجتماعا أو فكرا أو فنا ، إلا أن يكون عملا من أعمال الطبيعة غير الإرادية لا يحاسب عليه الإنسان .

وتنشأ القيمة الأخلاقية من كون الإنسان ثنائى الوجهة لا مفر الاتجاه ، ومن كونه قادرا على التمييز بين الوجهتين واختيار إحداهما .

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) } [سورة الشمس 91/7-10]

والأخلاق سواق في الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس ، أو في السياسة ، أو في الاقتصاد ، أو في الفكر ، أو في الفن .. الخ ، هى"القيم العليا"التى يتقيد بها"الإنسان"فى تصرفاته ، والتى يسعى لإقامة الحياة البشرية على أساسها ، والتى يكون إنسانا بقدر ما يحرص على أدائها وإقامتها ، ويفقد من إنسانيته بقدر ما ينفلت منها ويتهاون فيها.

وعلى هذا النحو تكون"إنسانيته"الإنسان ، وتكون كذلك"كرامته ، فالتكريم الربانى للإنسان لم يكن عبثا ."

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70) } [سورة الإسراء 17/70]

إنما يشمل التكريم والتفضيل - فيما يشمل - هذا العنصر الأخلاقى الذى تقوم عليه حياة الإنسان ، وتقوم به أعماله كذلك ، لتفترق عن حياة الحيوان ، وتفترق من باب أولى عن تصرفات المادة التى لا وعى لها ولا إرادة ولا إدراك ، إنما تتصرف بالقهر الكامل المفروض عليها من إرادة الخالق ، الذى أنشأها وأجرى أمورها على النحو الذى تجرى عليه ، لا تملك فكاكا منه ولا تعديلا عليه . وشتان بين ذلك وبين الوضع الكريم الذى وضع الخالق فيه الإنسان ، إذ أعطاه القدرة على التمييز والاختيار ، وجعله مقابل ذلك مسئولا عن تصرفاته بمقتضى تلك"الأمانة"التى حملها ، بينما أشفقت"المادة"من حملها:

{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ} [سورة الأحزاب 33/72]

وتختلف أحوال البشر اختلافا جذريا بحسب الطريق الذى يختارونه لأنفسهم . ولا يقتصر الاختلاف على مصير الإنسان يوم القيامة إما إلى الجنية وإما إلى النار ، بل يختلف الأمر في الحياة الدنيا كذلك .

أول اختلاف أنهم إذا اختاروا طريق الله ، طريق الخير ن فعبدوا الله وحده بلا شريك ، وساروا في حياتهم بمقتضى المنهج الربانى ، فقد نجوا بادئ ذى بدء من عبودية بعضهم لبعض ، وتحققت لهم العزة والكرامة والمساواة التى لا تتحقق أبدا إلا حين ينزع من البشر حق التشريع ، ويصبحون كلهم عبيدا لله على قدم المساواة ، خاضعين كلهم لشريعة الله .. ونجوا من الظلم الذى يسم الجاهليات جميعا حين يحكم البشر بشرائع من صنع أنفسهم ، فإنه يحدث دائما في تلك الجاهليات أن طبقة معينة هى التى تحكم ، وحين تحكم فإنها تدير الأمور بالطريقة التى تحقق مصالحها على حساب مصالح الآخرين .

ثم إن حياتهم تتسم بالنظافة والاستقرار والطمأنينة والبركة .

النظافة المستمدة من أخلاقيات لا إله إلا الله ، من الالتزام بالحلال والحرام . من ضبط الدوافع لترتفع عن حيوانية الحسد إلى إنسانية الإنسان ، الذى يمارس الحياة بجسمه وروحه في آن .

والاستقرار المستمد من تطبيق الشريعة الربانية الحكيمة المحكمة التى لا تخبط فيها ولا انحراف . وليس معنى الاستقرار الجمود عن الحركة ، ولا معناه كذلك الخلو الكامل من المشكلات . إنما معناه استقرار الأسس التى تقوم عليها الحياة . أما الحياة ذاتها فلا تكف عن الحركة الفاعلة ، ولا تخلو من أمور تجد في حياة الناس تحتاج إلى جهد يبذل لحل مشكلاتها وتقويمها بمقتضى منهج الله .

أما الكدح ذاته فهى من سمات الحياة الدنيا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت