ومعنى ثورته أن احتماله للتشكل الخاطئ الذى فرض عليه بالضغط قد انتهى ، وأنه يريد أن يصحح وضعه بما يناسب كيانه الطبيعى . وسواء نجحت الثورة أو فشلت فدلالتها ثابتة في الحالين .. والنجاح والفشل مسألة ظروف مواتية أو غيره مواتية ، ومسألة إعداد وتنظيم أو فوضى وارتجال . أما الثورة فمعناها أن شيئا مخالفا لطبيعة الإنسان قد فرض عليه بالقوة ، وهو يريد أن يرده عنه ليعود إلى وضعه الطبيعى .
وفى التاريخ البشرى ثورات كثيرة فاشلة وناجحة هى محاولات دائمة لدفع ضغوط مفروضة وتصحيح أوضاع خاطئة .. وكل ثورة تحدث"شيئا ما"فى حياة البشرية يغير خطاها إلى خط جديد .. ولكن تظل البشرية تتخبط مادامت بعيدة عن المنهج الربانى ، فتحل مشكلة بمشكلة جديدة ، وتتخلص من ضغط لتقع في ضغط من نوع آخر ، كما خرجت من الرق إلى الإقطاع ، ومن الإقطاع إلى الرأسمالية ، ومن الرأسمالية إلى الشيوعية ، ولا سبيا لها إلى التصحيح الحقيقى لأوضاعها إلا بالدخول في المنهج الربانى ، الملائم للفطرة السوية ، المنزل من عند خالق هذه الفطرة ، العليم بما يصلحها وما يصلح لها ، وهو منهج ثابت القيم والأركان كثبوت هذه الفطرة ، ويسمح في الوقت ذاته بتغير الصورة على الدوام بما يلائم النمو الدائم للحياة البشرية . ولكنه لا يسمح بالصورة المنحرفة لأنها تمرض الفطرة ، وتؤدى إلى الفساد في الأرض ، ومن أجل ذلك يجعل القواعد الثابتة هى التى تحكم المتغيرات ، ولا يسمح للمتغيرات بتغيير القواعد الثابتة .
ولا تزال البشرية تهتدى فتستقيم حياتها ، وتضل فتصيبها السنة الربانية التى تترتب على الضلال . ولكن لا توجد حتمية واحدة للهدى ولا حتمية واحدة للضلال . إنما الإنسان هو الذى يقرر لنفسه:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) } [سورة الشمس 91/7-10]
{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [سورة العصر 103/1-3]
تلك لمحة سريعة عن التفسير الإسلامى للتاريخ في مواجهة التفسير الجاهلى قد لا تون ، كافية لإبراز ملامحه .. ولكنها تكفى على أى حال لرؤية الهوة العميقة التى يضع التفسير المادى فيها الإنسان .
ثانيا: المذهب الاقتصادى بين النظرية والتطبيق
أشرنا في التمهيد إلى أن الشيوعية ليست مذهبا اقتصاديا بحتا كما يجرى الحديث عنها أحيانا ، ولكنها تصور شامل للكون والحياة والإنسان ولقضية الألوهية كذلك ، وتفسير شامل لذلك كله على أساس مادى.
بعبارة أخرى فإن المادية الجدلية والتفسير المادى للتاريخ جزء من"النظرية"الشيوعية لا ينفصل عنها . ولذلك لم يكتف ماركس أو إنجلز أو غيرهما من الكتاب الشيوعيين بأن يتحدثوا عن الشيوعية كمذهب اقتصادى ، إنما جعلوا حولها هذه الفلسفة الشاملة لتفسرها - أو لتبررها - سيان .
وهذا الذى صنعه ماركس وإنجلز والمفسرون الشيوعيون هو الأمر الطبيعى ، الذى يتجافاه أو يتجاهله الذين يتحدثون عن الشيوعية كمذهب اقتصادى بحت . ذلك أنه لا يوجد مذهب اقتصادى مجرد ، ليس له ارتباط بتصور شامل عن الكون والحياة والإنسان وقضية الألوهية !
ورغم أننا لا نوافقهم في زعمهم أن الأوضاع الاقتصادية والمادية هى الأصل الدائم الذى تنبثق منه الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية ، والفنية .. الخ ، فإننا نرى - كما أشرنا من قبل - أن هناك ارتباطا بين هذه الأمور كلها ، لأنها أوجه مختلفة لقضية واحدة ، أو لموقف معين من قضايا الألوهية والكون والحياة والإنسان .
وسواء أخذنا بوجهة النظر هذه أو تلك فإن النظرية الاقتصادية لا يمكن أن تقف وحدها مجردة عن فلسفة شاملة تربطها بالقضايا الأخرى كلها ، سواء كانت هذه النظرية شيوعية أو رأسمالية أو إسلامية .
فكلتاهما فلسفة مادية حيوانية لا ترتفع بالإنسان عن مستوى المادة أو مستوى الحيوان ، وتعتبر الوضع المادى والاقتصادى هو الأصل الذى يشكل الحياة . وكلتاهما تبعد المنهج الربانى كلية عن أن يحكم الحياة أو يسيطر عليها . تبيح الفساد الخلقى وتسمح له أن يستشرى في الأرض !
ولكنا سنجد - على الأقل - فرقا في الدرجة بين هذه وتلك !
فالشيوعية أشد إمعانا في إبعاد المنهج الربانى إلى حد النص الرسمى على الإلحاد في صلب الدستور: لا إله . والكون مادة"وأشد إبعادا للإنسان عن إنسانيته ، باعتبارها إياه مادة خالصة ، لا خليطا من المادية والحيوانية كما تصنع الرأسمالية ."