إن الفارق الوحيد - الذى يرونه جوهريا ولا نراه كذلك - هو فى"من يملك"وهو فارق فى"الفشرة"الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية أكثر مما هو فارق في الأصل الذى تعطيه هذه الفشرة . لأن النزاع انحصر كما هو ظاهر فى"من يملك"ولم يتجاوزه إلى النظر في المالكين أنفسهم ، ونظرتهم إلى الكون والحياة والإنسان وقضية الألوهية ، وهل هى نظرة صحيحة أم خاطئة ، وهل هم - بمعيار القيم الإنسانية - مرتفعون أم هابطون .
فإذا وجدنا - بالمعايير الربانية - أن المالكين كلهم سواء في الجاهلية المعاصرة . كلهم جاهليون ن كلهم نابذون للمنهج الربانى معادون له مصرون على إبعاده عن حياتهم ، فإن الفوارق الجزئية بينهم بعد ذلك تظل فوراق ثانوية ، وليست جوهرية كما قد ينظرون إليها فيما بين بعضهم وبعض ، وخاصة في لحظات التنازع والخصام .
وصحيح أن"مظهر"الحياة يختلف كثيرا فيما بين الرأسمالية والشيوعية ، على الأقل من الناحية الاقتصادية والناحية السياسية ، ولكنا نضرب مثلا لتقريب الصورة فحسب .. إذا دخلت مكانا تحسب أن فيه"أدميين"فوجدت أنه عبارة عن حظيرتين كبيرتين ، الدواب في إحداهما طليقة"سائبة"وفى الأخرى مربوطة مقيدة ، فليس الذى يبدهك للوهلة الأولى هو أن هذه سائبة وهذه مقيدة ، إنما الذى يبدهك أنك وجدت الدواب حيث كنت تتوقع وجود الآدميين ، ولابد - بطبيعة الحال - أنك ستلحظ الفارق بين مجموعة الدواب هذه وتلك ، وقد تلحظه لأول وهلة ، ولكنك لا تعيره اهتماما كبيرا طالما أنت ناظر إلى قضية وجود الدواب في مكان الآدميين . أما إذا ألقيت هذه القضية جانبا فسيتضخم في حسك ولا شك ذلك الفارق الشكلى ، وستروح تبحث ، أيهما الأولى: أن تكون جميعها سائبة أم جميعها مقيدة !
تشبيه تمثيلى لتقريب الصورة فحسب .
فمن وجهة النظر الإسلامية لايفترق الوضع الرأسمالى كثيرا عن الوضع الشيوعى . كلاهما وضع جاهلى يحكم بغير ما أنزل الله ، كلاهما ينفر نفورا تاما من إدارة شئون الحياة بمقتضى المنهج الربانى . كلاهما لا يعترف على الإطلاق بأن حق التشير ، أى حق تقرير الحلال والحرام والحسن والقبيح والطيب والخبيث ، هو حق الله وحده ، إنما تقوم كلاهما على أن هذا الحق هو حق البشر وحدهم من دون الله .. ثم يختلف هؤلاء البشر فيما بينهم بعضهم يذهب إلى اليمين ، وبعضهم يذهب إلى اليسار ، وكلاهما يتنكب الطريق .
بعد هذه المقدمة الضرورية التى نخلص منها بنتيجتين رئيسيتين: الأولى إن الشيوعية ليست مذهبا اقتصاديا بحتا يمكن تجريده بمفرده ، إنما هى تصور شامل للكون والحياة والإنسان وقضية الألوهية ، ثم مذهب اقتصادى مبنى على هذه التصور ومرتبط به بحيث لا يمكن فصلة عنه ، والثانية أن الفارق بين الفلسفة الشيوعية الخاصة بقضايا الألوهية والكون والحياة والإنسان والفلسفة الرأسمالية المتعلقة بهذه القضايا ذاتها فارق ثانوى من وجهة النظر الإسلامية ، لأنه فارق فى"الفشرة"وليس في الجوهر الحقيقى ..
بعد هذه المقدمة نأخذ في الحديث عن المذهب الاقتصادى في الشيوعية ، مبتدئين بالنظرية ثم معقبين بالتطبيق.