وصحيح أن أولي العزم من البشر لن يحسوا بالمذلة للدولة ولو كانت لقمة الخبز في أيديهم ولكن الإسلام في واقعيته لا يفترض في كل الناس أنهم من أولي العزم ، إنما يتعامل معهم بحسب واقعهم ، ويعلم أنهم عرضة للعضف أمام الضغوط الواقعة عليهم .لذلك جعل التكافل في الأسرة والمجتمع هو الأصل الكبير الذي تقوم عليه الحياة في المجتمع الإسلامي ، وجعل كفالة الدولة المباشرة هي الاحتياط الأخير الذي يسد الثغرات التي لم تستطع سدها الأسرة ولا المجتمع . ويظل الناس بعيدين عن سطوة الدولة بقدر الإمكان ليقوم التوازن السياسي في المجتمع الإسلامي ، ولي الأمر له علي الناس السمع والطاعة ، والناس لهم علي ولي الأمر النصحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أي الرقابة علي تنفيذ شريعة الله
وعلي ضوء الخط المستقيم المتمثل في دين الله يبتين لنا مدي الانحراف في الجاهليات ، وفي الجاهلية الشيوعية بالذات .
أما تقريب الفوارق بين الناس فلا يتم في الإسلام بمصادمة الفطرة وقتل الحافظ الفردي
إنما الإسلام دين الفطرة يتمشي معها ويرفعها إلي أقصي ما تطيق من درجات الرفعة ولكن دون مصادمة لا تجاهاتها الأصلية . ونم ثم لا يلغي الإسلام الملكية الفردية إنما ينظمها علي الوجه الذي تستجيب فيه للفطرة دون أن يترتب عليها الشر ، ثم يضع في يد ولي الأمر الصلاحية الدائمة لتصحيح الأوضاع إذا اختلت رغم كل التنظيمات والترتيبات .
وتنظيمات الإسلام وترتيباته تتضمن أولا نظافة الوسائل التي يحصل بها الإنسان علي المال ، فلا غصب ولا نهب ولا سرقة ولا غش ولا ربا ولا احتكار ولا أكل حق الأجير .
وتتضمن ثانيا تزكية المال بإخراج زكاته التي توضع في بيت المال لتقوم الدولة منها - ومن الموارد الأخري المشروعة - بكفالة من يحتاج إلي الكفالة من الناس .
وتتضمن ثالثا ضرورة انفاق المال وعدم حبسه عن التداول ، فإما أن يوظف المال في عمل نافع فيستفيد منه المجتمع ويستفيد منه الأفراد الذين يعملون فيه /، وإما أن ينفق إنفاقا مباشرا في أبواب الانفاق التي شرعها الله ، بما يحقق كفالة القادرين لغير القادرين في المحتمع .
وتتضمن رابعا تحريم الانفاق في المعصية ، وكراهة الإنفاق في الترف والسرف كراهة تشبه التحريم
وتتضمن خامسا تنظيما دقيقا للمواريث يفتت الثروة علي الدوام ويعيد توزيعها في كل جيل
وأخيرا تقرر الشريعة مبدأ"لا ضرر ولا ضرار".. فتضع في يد ولي الأمر سلطة التصحيح كلما وقع ما يوجب التصحيح دون مصادمة للفطرة ولا إعنات للناس
وليس هنا مجال التفصيل ، إنما يطلب ذلك في الكتب المتخصصة في هذه الأمور ، ولكن تكفينا هذه الخطوط العريضة لبيان الفارق بين الإسلام والشيوعية ا, الاشتراكية حتي في المواطن التي يبدو فيها وجود شبه عارض في بعض الجزئيات
إن الإسلام نظام متكامل ، وأجهزته كلها تعمل من داخله ، وتعمل بواسائله الذاتية وليس في حاجة أني ستعير أجهزة أجنبية عنه ، ولا في الإمكان تركيب هذه الأجهزة الأجنبية لتدور معه في دائرته ، لأنها من مقاس غير مقاسه ، وتعمل علي قاعدة غير قاعدته
ليس الإسلام نظاما اشتراكيا كما أنه ليس راسماليا ولا ديمقراطيا ..
الإسلام هو الإسلام .. هو هو كما انزله الله
وإذا كنا نعتقد بصدق - أن الاشتراكية تحمل مشابه من الإسلام في بعض النقاط ، فلماذا نأخذها من الاشتراكية ولا نأخذها من الإسلام ؟!
فلنكن صرحاء مع أنفسنا ، ولننف الهزيمة الداخلية من أرواحنا - أيا كانت أسبابها - ولنطلب الإسلام باسم الإسلام ن فهذا هو الإسم الذي قرره الله من فوق سبع سماوات {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [سورة آل 3/19]
{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85) } [سورة آل 3/85]