فهرس الكتاب

الصفحة 17110 من 27364

فالكفالة في الإسلام ليست مقابلا لتكليف الناس بالعمل علي طريقة من لا يعمل لا يأكل ، إنما هي حق إنساني بحت لكل من يحتاج إليه بسبب من الأسباب . وكفالة المرأة بالذات واجب مفروض في الإسلام علي الرجل لكي لا تنشغل أعصابها ولا يذهب جهدها في العمل خارج البيت علي حساب مهمتها العظمي في تنشئة الأجيال ، كما أن الكفالة تتم في الإسلام بغير إذلال الناس بلقمة الخبز ، ودون دكتاتورية الدولة التي ترهق القلوب وتخنق الانفاس .

إن الإسلام - دين الله الحق - قد فرض علي الدولة المسلمة كفالة كل فرد فيها يحتاج إلي كفالة .. وجعل مهمة بيت المال هي هذه الكفالة لمن يعجز عن كفالة نفسه بنفسه ، أو عجزت أسرته القريبة عن كفالته . وجعل المجتمع كله مكلفا بالآ يكون فيه محتاج (1) وقد أشرنا من قبل إلي قوله عمر رضي الله عنه ، التي عبر فيها عن مسئوليته لا عن الآدميين فحسب ، بل عن كل كائن حي يحتاج إلي الكفالة حيث قال:"لوعثرت بغلة ببغداد ( أو قال بصنعاء ) لكنت مسؤولا عنها لم لم أسو لها الطرق !"

ولكن الإسلام في كفالته للناس لا يستذلهم بلقمة الخبز كما تصنع الشيوعية ن بل يكفلهم وهم كرماء علي أنفسهم وعلي الناس . فهو يكلف الدولة المسلمة بهذه الكفالة دون مقابل علي الإطلاق ، لا العمل ، ولا الخضوع المذل للحزب ولا الدولة ولا الزعيم !

(1) راجع الحديث عن مسئوولية الدولة المسلمة في كفالة جميع أفراد المجتمع في الفصل السابق

إن المطلوب من المسلم - سواء كفلته الدولة أو كفل نفسه بنفسه أو كفلته أسرته أو كفله القادرون في المجتمع - أن يعبد الله وحده لا شريك . وأن يقيم دين الله في نفسه وفي مجتمعه بإقامة شريعة الله والحكم بما أنزل الله . والمطلوب منه - من بين المطلوبات - أن يكون رقيبا علي ولي الأمر ، لينظر هل قام بواجبه في إقامة الشريعة علي الوجه الصحيح أم انحراف في التطبيق !

ولقد كان سلمان الفارسي ممن تجري عليهم الدولة الإسلامية نصيبا من بيت المال .. هو الذي قال لعمر رضي الله عنه: لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة حتي تبين لنا من اين لك هذا البرد الذي ائتزرت به ! وهو كذلك الذي قال له: والله لو وجدنا فيك اعوجاحا لقومناه بحد السيف !

والإسلام يحض علي العمل بكل وسائل الحض ، ويوضح للناس أن الإنسان خلق ليقوم بعمارة الأرض ، وليمشي في مناكبها ويبتغي من رزق الله ، وأن العاطلين المتبطلين لا يحبهم الله ولا يحبهم رسوله صلى الله عليه وسلم . ومع ذلك فلا يجعل كفالة الدولة لأفرادها مقابل قيامهم بالعمل .. إنما مقابل إنسانيتهم فقط ومقابل حاجتهم ! فكون الإنسان إنسانا وكونه محتاجا إلي الكفالة هما كل مقومات كفالة الدولة للفرد في الإسلام وهذا هو الفرق بين فضل الله وكرمه وبين كزارة البشر حين يكون بأيديهم المال والسلطان !

{قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُوراً (100) } [سورة الإسراء 17/100]

ثم إن الإسلام في كرمه وتفصله في حض علي العمل ، نعم ولكنه لم يحوج المرأة إلي العمل خارج البيت من أجل أن تحصل علي لقمة الخبز ! بل قرر لها الكفالة الكاملة وهي مستقرة في بيتها ، عاملة فية، قائمة بأنبل مهمة يقوم بها البشر في الأرض ، وهي تنشئة الجيل الناشئ ليخرج إلي الحياة سويا مستقيما علي أمر الله .

فإين هذا من إكراه المرأة علي العمل خارج البيت في كنس الشوارع وحمل الأمتعة في المطارات ومحطات السكك الحديدية تحت هذا التهديد المرعب: من لا يعمل لا يأكل !

وهذا فضلا عما في إخراجها من مهمتها الفطرية من إفساد للفطرة وإفساد للنشء وإفساد للأخلاق!

وامر أخر يأتي بهذه المناسبة تتضح لنا حكمته في الإسلام علي ضوء ما وقع في التطبيق الشيوعي

لقد قرر الإسلام مبدأ الملكية الفردية تقرير واضحا لا شبهة فيه ، وإن كان قد وضع للملكية حدودا كثيرة تحقق الخير وتمنع الشر . وللإسلام حكمته - بل حكمة في إقرار الملكية الفردية علي هذا النحو / ولكن حكمة معينة تبدو لنا الآن من خلال التطبيق الشيوعي ربما لم تكن واضحة للناس من قبل ، هي حرص الإسلام علي أن تكون أرزاق الناس بأيدهم - علي قدر الإمكان - لا بيد الدولة ! وذلك حتى لا يستذل الناس بلقمة الخبز ! فحين يكون العمل حرا ، والاسترزاق حرا لا يحس الناس بسطوة الدولة كما يحسون بها لو كانوا كلهم أجراء للدولة كما هو حالهم في الشيوعية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت