فهرس الكتاب

الصفحة 17109 من 27364

والإسلام في واقعيته لا يفترض أن كل الناس يصلون إلي القمة ، وإن كان يدعو كل الناس أن يحاولوا الصعود إليها ، ثم يرضي منهم بما يصلون إليه في محاولتهم ماداموا لا يهبطون عن المستوي الذي حرم الله الهبوط عنه ، أو ماداموا لا يصرون علي الهبوط إذا غلبتهم مرة دوافع الشر رغم المجاهدة والتطلع إلي الخير:

{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [سورة الأنعام 6/132]

{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) } [سورة آل 3/135-136]

أما حلم الملائكية العامة الشاملة التي ستعم البشرية كلها ذات يوم ، ودون أي احتياط لإمكان الهبوط من أحد الناس أو كل الناس ( بإلغاء الحكومة التي يمكن أن تردع الهابطين ) فحلم أقل ما يقال فيها إنه ما وضع إلا للتخدير ‍ليرضي الناس بالحرمان والشقاء الحالي، والضغط الإرهابي الذي لم تشهده حتي قساوة القرون المظلمة ، علي أمل تحقق تلك الجنة الموعودة في الأرض في يوم من أيام التاريخ ‍

كانوا يقولون إن الدين أفيون الشعوب ‍‍! لأنه يخدرهم عن عذاباتهم الحاضرة بحلم الجنة في الآخرة ‍! فما القول في هذا الأفيون العجيب الذي تقدمه الشيوعية للكادحين ؟!

إن الدين - في صورته الكنسية التي استخدمت بالفعل لتخدير الشعوب - كان يحوي بعض الحقائق وبعض الأباطيل . فوجود الله حق ، ووجود الآخرة حق ، ووجود الجنة حق . أما رضاء الله بالظلم ، ودعوة الناس إلي الرضا بالظلم في الدنيا ليمنحهم الله الجنة في الآخره فباطل ، لأن الله أمر الناس أن يرفضوا الظلم الناشئ من تحكيم شرائع غير شريعة الله ، وأمرهم أن يجاهدوا لتغيير المنكر . وأما الذين يحتجون بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض وأنهم رضوا من أجل ذلك بالظلم فيسميهم الله"ظالمي أنفسهم"ويقول فيهم:

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97) } [سورة النساء 4/97]

نعم كان الدين الكنسي يحوي بعض الحقائق وبعض الأباطيل .. فما القول في هذا المخدر الشيوعي الذي لا يحمل شيئا من الحق وكله أباطيل ‍! أي الفريقين - وكلاهما علي باطل - أشد استخدامها"للافيون"في تخدير الجماهير ؟!

بين الشيوعية والإسلام

إن لن أن ننتهي من الحديث عن الشيوعية في كل مجالاتها ، سواء في المادية الجدلية أو لمادي التاريخية أو المذهب الاقتصادي .. لولا أن بعض المسلمين - بل بعض الدعاة من المسلمين - يتحدثون عن"اشتراكية الإسلام"وعن إمكانية اللقاء بين الشيوعية - أو الاشتراكية - وبين الإسلام

فنعود إلي ذات المقاييس التي استخدمناها فيما بين الديمقراطية والإسلام

1)قضية المعبود

2)قضية إنسانية الإنسان

إن الشبه العارض الذي يمكن أن يكون قائما بين الاشتراكية والإسلام في مبدأ كفالة الدولة لكل أفرادها ، وتقريب فوارق الفئات المختلفة من الناس ، لا يجوز أن ينسينا الاختلاف الجوهري في القاعدة التي يقوم عليها كل من النظامين, فضلا عن الاختلاف حتي في هذا الشبه العارض في تكل الجزئيات .

إن القضيتين الرئيسيتين في حياة الإنسان كما أشرنا إليهما وشرحنا هما من قبل هما هاتان القضيتان: قضية الألوهية وقضية الإنسانية ، وكل ما بقي من الأمور فهي أمور ثانوية بالنسبة لهاتين القضيتين ، أو هي امور تتفرع - تلقائيا - من هاتين القضيتين .

فأما المعبود في الشيوعية أو الاشتراكية فهو ليس الله قطعا بتصريحهم هم بأفواههم:"لا إله والكون مادة" (أي بلاخالق ) وقد يكون الإله عندهم هو المادة . أو هو الدولة . أو هو الحزب أو هو النظام . أو هو الزعيم . ولكنه علي أي حال ليس اله . ومن هنا يستحيل اللقاء بين النظامين مهما كانت الأشباه العارضة هنا أو هناك

وأما الإنسان فهذا وضعه في التصور الشيوعي وفي التطبيق ‍

في التصور هو نتاج المادة ، وهو تلك الأداة السلبية التي تحركها الحتميات"مستقلة عن إرادتهم"‍! وفي التطبيق هو تلك الاله المنتجة في قسم من الوقت ، وهو ذلك الحيوان الغليظ الحس في بقية الوقت ن وهو ذلك الصفر اللاشيئي في كل الوقت .. إلا أن يكون من الآلهة المحظوظين ، عضوا في الحزب علي أقل تقدير ، أو زعيما مقدسا علي أعلي تقدير ‍!

أما ذلك الشبه العارض في مبدأ الكفالة الشاملة وتقريب الفوارق بين الناس فهو أولا لا يبرر اللقاء بين النظامين مع وجود ذلك الاختلاف الجوهري في قضية الألوهية وقصية إنسانية الإنسان ، وهو ثانيا شبه غير كامل حتي في الجزئيات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت