فهرس الكتاب

الصفحة 17108 من 27364

ولقد اضطرت الشيوعية إلي"التراجع"عن قرار الإبادة الجماعية الذي كان مقررا من قبل ، حين سنحت لهم فرصة الانتشار والتوغل في العالم الإسلامي بعد الحرب العالمية الثانية ، فوجدوا أن قرار الإبادة سيعوق إنتشارهم ، ويفوت عليهم فرصة قد لا تسنح من بعد ، فأعلنوا أنها"متسامحون"وأنهم لا يتعرضون لأصحاب العقائد الدينية بالإيذء ! ولعلهم كانوا قد ظنوا أنه لم يعد هناك خطر من"التسامح"بعد إبادة من أبادوه ونفي من نفوه وتشريد من شردوه ! ولكن دخولهم أفغانستان لإبادة المسلمين هناك يدل علي أن تقديراتهم في هذا الأمر لم تكن علي صواب ! فهم اليوم يضربون المسلمين الافغان حتي لا يتجمع غدا المسلمون الروس !

وبصرف النظر عن وضع المسلمين في الدول الشيوعية ، فإن الشيوعية تكره الدين كراهية شديدة كما أسلفنا ، وتحاربه بكل وسائل الحرب ، وتتمني اليوم الذي يزول فيه من الوجود .

وفي إمكاننا أن نستدل من هذه الحرب ذاتها علي عمق الدين في الفطرة ! فلولا أنه عميق في الفطرة كل هذا العمق ما خافت الشيوعية من عودته كل هذا الخوف ولاحاربته كل هذه الحرب .

ولكنا لسنا في حاجة إلي الاستدلال عن طريق غير مباشرة . فقد اغنانا حديث ط جاجارين"عن ذلك ، وشهدت الفطرة علي لسانه إنه لا إله إلا الله . . وهو الذي ولد وتربي في ظل الالحاد الرسمي والشعبي علي السواء !"

إلي هنا كنا نتحدث عن"الواقع"التطبيقي للشيوعية بالقياس إلي النظرية .. ورأينا أن مبادئ كثيرة من التي تقوم عليها النظرية أثبتت عدم جديتها أو عدم واقعيتها عند التطبيق ، كقضية الملكية الجماعية ، وإحلالها محل الملكية الفردية ، وقضية البروليتاريا ووضعها في مكان السلطة ، وقضية الطبقات وإلغائها وقضية المساواة التامة بين الجميع .

ولكن بقيت في النظرية"وعود"لم تتحقق بعد ، ويتذرعون - لعدم تحقيقها - بشتي المعاذير .

بقي المبدأ القائل بأنه يؤخذ من كل بحسب طاقته ويعطي كل بحسب حاجته ، وإلغاء الحكومة . وإلغاء الصراع

وهم يستخدمون بشأنها أسلوب الشاعر العربي:

مني إن تكن حقا تكن أعذب المني وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا !

أي في الخيال والتمني !

وقد كان من حقنا أن ننفض ايدينا من هذه الأماني ، ونقول: دعونا حتي تقع بالفعل ! أو نقول إن ما مر من التجربة الشيوعية في الأمور السابقة لا يبشر بتحقيق شئ من هذه الوعود ، فإن أمورا أكثر واقعية من هذه بكثير أثبتت التجربة عدم واقعيتها أو عدم دية الشيوعيين في الحديث عنها إلا للدعاية والترغيب فحسب !

ولكننا ننظر في طبيعة هذه الأمور فنجدها - بطبيعتها - غير قابلة للتحقيق ! من كل حسب طاقته ، ولك حسب حاجته ! بلا حكومة ولا صراع !

متي كان الناس بهذه الملائكية حتي نفترض أنهم يمكن أن يعودوا إليها في يوم من الأيام ؟

أو ليسوا هم الذين يقولون إنه بمجرد اكتشاف الزراعة جنح الناس إلي الملكية الفردية ، وظهر الطمع والجشع واختلف وضع الناس في المجتمع ، وانتهت المساواة والتعاون والود والإخاء وحل محلها الصراع ؟!

أي بمجرد ظهور شئ يمكن امتلاكه !

فما الذي تغير في طبائع البشر حتي يجئ عليهم يوم لا حكومة فيه ولا رقابة ، ثم يبذل كل منهم طاقته - حبا في الحق والعدل فقط ، أو حبا في الإنسانية ، أو حبا في أي قيمة من القيم العليا ( التي لا وجود لها في ذاتها كما يقولون !) - ثم يأخذ فقط بقدر حاجته ، ويقدر هذه الحاجة بلا طمع ولا جشع ولا إسراف ؟!

إن المثاليين الذين ينعي الشيوعيون عليهم عدم واقعيتهم لم يبلغوا هذا الحد من الإسراف في الخيال !

ولقد وصل أفراد من البشر إلي هذا المستوي بالفعل مرة واحدة في التاريخ ، علي عهد رسول الإسلام r ، فكان كل إنسان منهم يبذل أقصي ما في طاقته من الجهد ابتغاء مرضاة الله فحسب ، ثم لا يجد في نفسه حاجة مما أوتي ويؤثر أخاه علي نفسه:

{وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) } [سورة البقرة 2/207]

{وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [سورة الحشر 59/9]

ولسنا نقول إن هذه الصورة حدثت مرة واحدة وهي غير قابلة للتكرار في أي جيل قادم من أجيال البشرية ، ولكنا نقول أولا إن هذا - بالتجربة - لم يحدث إلا ابتغاء مرضاة الله - ، ولا يمكن لأي قيمة أخري من القيم - غير الإيمان الصدق بالله - أن ترفع الانسان إلي هذه الصورة الرفيعة الشفيفة العالية ، ونقول ثانيا إنه ليس كل الناس يرتفعون إي هذا المستوي السامق الرفيع . فقد كان إلي جوار هؤلاء - في نفس الجيل ونفس الظروف - من قال فيهم رب العالمين:

{هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ} [سورة محمد 47/38]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت