فهرس الكتاب
وبالتالي إذا كنا نشاهد في مختلف أدوار تاريخ المجتمع أفكاراً ونظريات عن تنظيم المجتمع مختلفة، وآراء وأوضاعاً سياسية متباينة، إذا كنا نجد تحت نظام الرق هذه الأفكار والنظريات عن تنظيم المجتمع، وتلك الآراء والأوضاع السياسية، بينما نجد غيرها في ظل الإقطاعية، وغيرها أيضاً في ظل الرأسمالية، فتفسير ذلك ليس في طبيعة أو في خصائص الأفكار والنظريات والآراء والأوضاع السياسية نفسها، بل في شروط الحياة المادية للمجتمع في مختلف أدوار التطور في المجتمع. فالموجود الاجتماعي على حد تعبيرهم وشروط الحياة المادية للمجتمع هي التي تعين أفكار المجتمع ونظرياته وآراءه السياسية وأوضاعه السياسية. وقد كتب ماركس في هذا الموضوع يقول:"ليس إدراك الناس هو الذي يحدد معيشتهم، بل على العكس من ذلك، إن معيشتهم الاجتماعية هي التي تحدد إدراكهم". ومعنى ذلك أن مفاهيم الإنسان عن الحياة ليست هي التي تسيره في الحياة، بل الواقع الذي عليه المجتمع هو الذي يسيره، لأن مفاهيمه إنما هي انعكاس لهذا الواقع. ومعنى هذا أن المفكرين ليسوا هم الذين ينهضون الأمة وإنما الواقع الذي عليه المجتمع هو الذي ينهضها لأن أفكار المفكرين انعكاس لهذا الواقع، ومعنى ذلك أيضاً أن التشريع لا يضعه الفقهاء والمشرعون لمعالجة الوقائع التي تحصل وإنما الواقع الذي عليه المجتمع هو الذي يوجد التشريع، لأنه ينعكس على أدمغة المشرعين فيشرعون التشريع، وأن العلوم والمعارف إنما هي انعكاسات لواقع المجتمع. هذا هو ما تعنيه النظرية الديالكتيكية من ناحية فكرية ومن ناحية تطبيق نظرياتها في هذه الناحية على درس الحياة في المجتمع وعلى درس تاريخ المجتمع.
غير أن الشيوعيين لما رأوا أن أثر الأفكار والمفكرين في المجتمع لا يمكن إنكاره فإنهم اعترفوا بذلك ولكنهم أولوه على شكل ينسجم مع نظريتهم في تطبيق الفكر على المجتمع، ولذلك قالوا: أنه لا ينتج من أقوال ماركس"أن معيشة الناس الاجتماعية هي التي تحدد إدراكهم"، أي أن الأفكار والنظريات الاجتماعية والآراء والأوضاع السياسية، ليس لها شأنها وأهميتها في الحياة الاجتماعية، أو أنها لا تؤثر تأثيراً مقابلاً في المعيشة الاجتماعية، وفي تطور الشروط المادية للحياة الاجتماعية. فنحن لم نتكلم حتى الآن إلا عن أصل الأفكار والنظريات الاجتماعية والآراء والأوضاع السياسية، وعن نشوئها وظهورها، فقلنا أن حياة المجتمع الروحية هي انعكاس لظروف حياته المادية. أما من حيث أهمية هذه الأفكار والنظريات الاجتماعية، وهذه الآراء والأوضاع السياسية، ومن حيث دورها في التاريخ، فالمادية التاريخية لا تنكر ذلك، بل إنها على العكس تشير إشارة خاصة إلى دورها وأهميتها العظيمين في الحياة الاجتماعية وفي تاريخ المجتمع. وهذا يعني أنهم يسلمون بأهمية الفكر ولكنهم بعد أن يسلموا بذلك تراهم يرجعون إلى كونه نتيجة للحياة المادية وليس هو الذي أثر في الحياة المادية، ولذلك يقولون:"إن الأفكار والنظريات الاجتماعية والأوضاع السياسية تتولد من المهمات العاجلة التي يضعها تطور الحياة المادية للمجتمع، ثم تؤثر هي نفسها فيما بعد في المعيشة الاجتماعية، وفي حياة المجتمع المادية بخلقها الشروط اللازمة لحل المسائل العاجلة الملحة في حياة المجتمع المادية، وجعل تطور المجتمع إلى الأمام ممكناً". أي أن الحياة المادية هي التي تعطي الأفكار، ثم تصبح لهذه الأفكار أهميتها. فأهمية الفكر ليست آتية من أن الفكر من حيث هو فكر يؤثر في المجتمع، بل آتية من حيث أن المجتمع هو الذي أعطى الفكر ثم صارت لهذا الفكر الذي أعطاه المجتمع أهمية في المجتمع، فيقولون:"إن الأفكار والنظريات الاجتماعية الجديدة لا تبرز إلا عندما يضع تطور الحياة المادية للمجتمع مهمات جديدة أمام المجتمع، لكنها إذا ما برزت أصبحت قوة ذات أهمية من الدرجة العليا، تسهل إنجاز المهمات الجديدة التي يضعها تطور الحياة المادية للمجتمع، وتسهل رقي المجتمع، وتبدو إذ ذاك خطورة الدور الذي تقوم به الأفكار والنظريات الجديدة، والآراء والأوضاع السياسية الجديدة، من حيث هي قوة تنظيم وتعبئة وتحويل. وفي الحقيقة أن الأفكار والنظريات الاجتماعية الجديدة إنما تظهر لأنها ضرورية للمجتمع، فبدون عملها المنظم والمعبيء والمحول يستحيل حل المسائل العاجلة الملحة التي يقتضيها تطور الحياة المادية للمجتمع". وبهذا يتبين أن اعترافهم بأهمية الفكر ليس اعترافاً بأهميته في إيجاد المجتمع وتكوينه وجعله طرازاً خاصاً، وإنما هو اعتراف بأن المجتمع هو الذي انشأ الأفكار ثم صارت لهذه الأفكار أهمية من حيث تبني الناس لها واتخاذها وسيلة للتنظيم والتعبئة، فتكون أهميتها عندهم ليس بالنسبة للمجتمع بل بالنسبة لإعطائها للناس. أما بالنسبة للمجتمع فهي ناتجة عنه وليست موجودة له أو مؤثرة فيه.