فهرس الكتاب
وإذا قيل إن الواقع قبل الفكر، وأن العقل ليس سوى نتاج المادة الأعلى كما يقول انجلس فإن ذلك خطأ، من حيث أن الفكر هو الحكم على الواقع، ولا يتأتى الحكم إلا بوجود معلومات سابقة عن الواقع. وهذه المعلومات جزء جوهري في الفكر حتى يوجد، فيكون وجوده متوقفاً على وجود المعلومات. فالبحث من حيث وجود الفكر قبل الواقع أو بعد الواقع لا بد أن يذهب إلى المعلومات السابقة التي بها أمكن أن يوجد فكر: هل هي قبل الواقع أو بعد الواقع؟ لأن هذه المعلومات نفسها هي فكر. فالبحث يجب أن ينصرف إليها أولاً ما دام قد ثبت بأنه لا يوجد فكر إلا بمعلومات سابقة.
وهذه المعلومات ليس حتماً أن تكون بعد وجود الواقع، فقد تكون قبل وجوده وقد تكون بعد وجوده. لأنه إذا ثبت أن المادة أزلية فيجب أن تكون المعلومات قد وجدت بعدها حتماً، فتكون حينئذ المعلومات وجدت بعد المادة، وبالتالي يكون الفكر أو العقل من حيث هو وجد بعد المادة. أما إن ثبت أن المادة ليست أزلية، وأنها مخلوقة لخالق فإنه حينئذ يجب أن تكون أول معلومات عن أول فكر موجود قبل المادة، فيجب أن تكون ممن خلق المادة، فالله الخالق هو الذي أنزل أول معلومات وهي سابقة أول فكر حصل في الوجود، ثم أن الفكر هو معنى الواقع والحكم، والفكر حتى يحصل لا بد له من معلومات، فأول فكر قد حصل لا بد له من معلومات قبله ولم يحصل قبله فكر حتى توجد معلومات عن الواقع فيتحتم أن تكون أول معلومات عن أول فكر موجودة قبل الواقع، إذ لو وجدت بعده لحصل الفكر بدونها فلا يكون أول فكر قد حصل بمعلومات بل حصل من الواقع وحده، وبالتالي لا يكون الفكر حتى يحصل محتاجاً لمعلومات، وهذا باطل، إذ لا يمكن أن يوجد فكر إلا بمعلومات سابقة، ولذلك كان لا بد أن تكون أول معلومات لأول فكر موجودة قبل المادة، لأن القول بوجود أول معلومات لأول فكر بعد المادة نفي الحاجة لسبق الفكر لأول فكرة حصلت. وعليه فإن ثبوت أن المادة مخلوقة لخالق يوجب أن تكون أول معلومات لأول فكر قد حصلت قبل المادة، وثبوت أن الفكر لا يوجد إلا بوجود معلومات سابقة يوجب كذلك أن تكون أول معلومات لأول فكر قد حصلت قبل المادة.
وأما الأفكار التي وجدت فيما بعد، أي التي توجد معلومات سابقة لها ووجدت بالمعلومات السابقة، فإن هذه الأفكار التي جاءت بعد الفكر الأول يجوز أن تكون المعلومات التي وجد الفكر بها قد وجدت قبل المادة ويجوز أن تكون قد وجدت بعدها، ولا يصح الجزم في مثل هذه الحالة بأن المعلومات وجدت بعد المادة، بدليل أن الفروض التي تسبق النظرية وتسبق العملية تحوي معلومات عن الشيء قبل اختراعه، وبعد اختراعه يحكم عليه بواسطة المعلومات السابقة. ولهذا لا يجزم بأن الفكر وجد بعد المادة، وعلى أي حال فإن هذا ليس بحثه هنا في تعريف الكفر، وإنما بحثه في المادة هل هي أزلية أم مخلوقة، أو بعبارة أخرى هل الكون والإنسان والحياة أزلية أم مخلوقة لخالق وليس بحثه في تعريف الفكر، ولذلك ليس وارداً ولا محل بحث.
هذه هي ناحية البحث في الفكر أو الأساس الذي يقوم عليه الفكر، وهذا هو نقضها. وهم يطبقون بحثهم في الفكر على درس الحياة في المجتمع، وعلى درس تاريخ المجتمع، ويقولون إنه إذا صح أن الطبيعة أو الكائن أو العالم المادي هو العنصر الأول، بينما الإدراك أو الفكر هو العنصر الثاني المشتق، وإذا صح أن العالم المادي هو واقع موضوعي موجود بصورة مستقلة عن إدراك الناس بينما الإدراك هو انعكاس هذا الواقع الموضوعي، نتج عن ذلك: أن حياة المجتمع المادية أو كيان المجتمع، هو أيضاً العنصر الأول. أما حياة المجتمع العقلية فهي عنصر ثان مشتق، وأن حياة المجتمع المادية هي واقع موضوعي موجود بصورة مستقلة عن إرادة الإنسان، أما حياة المجتمع العقلية فهي انعكاس هذا الواقع الموضوعي أو انعكاس الموجود. وبالتالي يجب البحث عن منشأ حياة المجتمع، وعن أصل الأفكار التي تبحث في تنظيم المجتمع، وعن النظريات التي تبحث في تنظيم المجتمع، وعن الآراء السياسية، والأوضاع السياسية، لا في الأفكار والنظريات، ولا في الآراء والأوضاع السياسية نفسها، بل في شروط الحياة المادية للمجتمع، في الموجود من وضع المجتمع التي تكون هذه الأفكار والنظريات والآراء وما إليها انعكاساً له.