فهرس الكتاب
وقد يقال إن الإنسان قد يرى شخصاً ولا يكلمه وليس لديه أية معلومات عنه ثم يغيب عنه سنوات فيراه فيعرفه حالاً. فهنا استعاد الإنسان الإحساس وباستعادته أصدر حكماً بأن هذا الشخص هو عينه الذي رآه قبل سنوات. والجواب على ذلك هو أن الإحساس بالشيء يحصل في الدماغ ويحدث انطباعاً فيه، فإذا عرض الشيء مرة أخرى بواسطة نفس الإحساس يسترجع الإنسان إحساسه الأول فيعرف أنه هو عينه ويحدث تصرفاً بناء على هذا الاسترجاع. فمثلاً الطفل، ضع أمامه مصباحاً زجاجته ساخنة سخونة شديدة واجعل الطفل يلمسه فيحرق يده ثم بعد مدة أدن زجاجة المصباح من الطفل واطلب منه أن يلمسها فإنه يرفض، لأنه يسترجع إحساسه للزجاجة فيجد أنها تحرق فيرفض أن يلمسها، وكذلك الشخص الذي رأيته تسترجع إحساسك الأول فتعرفه، وهذه المعرفة ليست فكراً وإنما هي استرجاع الإحساس فقط، ولهذا فإنك إذا رأيته بالمشاهدة ولم تسمع صوته فإنك لا تعرفه إذا تكلم، ولا تعرفه إذا لمسته ولم تره، ولا تعرفه إلا إذا شاهدته، لأن الاسترجاع لا يكون للرجل وإنما يكون للإحساس الذي حصل بالنسبة له، فحسب الحاسة التي أحست به يحصل الاسترجاع. أما تصرفاتك تجاهه، إن كانت مما يتعلق بالغرائز كالخوف والأكل والدفاع أو ما شاكل ذلك فإنها تحصل بناء على استرجاع هذا الإحساس كما حصل للطفل حين لمس زجاجة المصباح الساخنة، وأما غير ما يتعلق بالغرائز فلا يحصل شيء لأنه بالنسبة لما يتعلق بالغرائز لم يحصل فكر وإنما حصل استرجاع للإحساس فقط. فهذا الإحساس وتكراره واسترجاعه لا يشكل فكراً وإنما يشكل إحساساً ليس غير، والمعرفة التي تحصل هي عبارة عن التعرف بواسطة الإحساس فقط، والتصرف الذي يحصل إنما هو تصرف يتعلق بالغرائز وهذا كله ليس فكراً وإنما هو حس، أو إدراك شعوري.
وقد يقال أنه قد يحصل أن يعطى شخص آلة معقدة وليست لديه معلومات سابقة عنها ويطلب منه حلها وتركيبها، فيأخذها الشخص ويحاول إجراء تجارب متعددة عليها فيصل من هذه التجارب إلى حلها ثم إلى تركيبها. فهذا وصل إلى فكر دون حاجة إلى معلومات سابقة. والجواب على ذلك هو أن هذا الشخص لديه معلومات متعددة. فأخذ بتجاربه المتعددة يربط المعلومات التي لديه بالواقع الذي بين يديه وبالمعلومات مع بعضها حتى توصل إلى إيجاد معلومات يفسر بواسطتها حل الآلة وتركيبها، وبهذه المعلومات التي توصل إليها وصل إلى الفكر. فهذا لا يؤتى به مثالاً لأنه توجد لدى الشخص معلومات، وإنما المثال الذي يؤتى به هو الطفل الذي لا توجد لديه معلومات إطلاقاً، أو الرجل الذي ليس لديه معلومات يمكن أن يستعين بها على إيجاد معلومات يفسر بها الواقع كأن تأتي بأعرابي وتدخله مختبراً وتتركه يجرب، أو أن تأتي بعالم من علماء اللغة وتضعه في مختبر الذرة وتطلب منه الوصول إلى سر القنبلة الهيدروجينية، فهذا ليس لديه معلومات ولذلك لا يصل إلى الفكر وهو الذي يؤتى به مثالاً وليس الشخص الذي لديه معلومات يمكن أن يستعملها.
وعلى هذا فإن من المقطوع به أنه لا يمكن أن يحصل فكر إلا بوجود معلومات سابقة يمكن بواسطتها تفسير الواقع. أما الواقع وحده فلا يمكن أن يحصل من الإحساس به فقط أي فكر وإن كان يمكن أن يحصل به إدراك شعوري يتعلق بالغرائز ويمكن أن يحصل به استرجاع للحس، ويمكن أن تحصل به معرفة بما أحس به، أما أن يحصل حكم عليه، أي أن يحصل فكر فلا يمكن مطلقاً. فيكون التعريف الصحيح للفكر هو نقل الواقع بواسطة الإحساس إلى الدماغ ومعلومات سابقة تفسر هذا الواقع.
ولا يرد هنا أن الواقع قبل الفكر أو الفكر قبل الواقع، لأن البحث ليس فيمن يسبق الآخر الفكر أم الواقع، وإنما البحث محصور في تعريف الفكر ما هو، فلا دخل للقبلية والبعدية فيه. وإذ قيل أن الفكر موجود قبل الواقع، وأن الفكر هو خالق الواقع وصانعه كما يقول هيغل فإن ذلك خطأ، من حيث أن الفكر هو الحكم على الواقع، ولا يتأتى إصدار الحكم إلا على موجود حين الإصدار. فلا بد أن يكون الواقع موجوداً حين التفكير فيه. فالواقع إذن ليس من خلق الفكر ولا من صنعه، بل كان موجوداً عندما وجد الفكر، أي عند وجود التفكير به. ولا يتأتى وجود فكر إلا إذا كان واقعه موجوداً حين وجوده. فلا يوجد فكر إلا وله واقع موجود. وما لا واقع له موجود، ليس فكراً مطلقاً، وإنما هو تخيلات وتخريف. أما إن قصد هيغل أن الخالق للواقع الموجد له من العدم موجود قبل الواقع فصحيح، لأن الواقع حادث والخالق أزلي، فالخالق قبل الواقع حتماً. والظاهر أنه أي هيغل لم يقصد ذلك وإنما قصد من الفكر التفكير ولذلك كان خطأ.