فهرس الكتاب
يقولون أن الإنسان الأول قد اصطدم بالأشياء فانعكست عليه فصار بالحس يعرف أن هذه الثمرة تؤكل وهذه لا تؤكل، وصار يعرف أن هذا الوحش يؤذيه فيتجنبه وهذا الحيوان لا يؤذيه فيستخدمه ويركبه، وصار يعرف من الحس والتجربة أن الخشب يطفو على الماء فصار يستعمله لقطع الأنهار، وصار يعرف أن النوم في الكهف يقيه المطر والبرد فاتخذ المأوى، وهكذا توصل الإنسان الأول بالحس إلى إصدار حكمه على الأشياء والتصرف تجاهها حسب هذا الحكم أي حسب هذا الفكر وهذا يدل على أن الفكر هو نقل الواقع إلى الدماغ بواسطة الحس دون الحاجة إلى وجود معلومات سابقة. والجواب على هذا القول هو أن ما كان عليه الإنسان الأول مجهول وغائب وما نريده هو الفكر والتفكير الذي يحصل عند الإنسان الحالي فلا يقاس المعلوم على المجهول ولا الحاضر على الغائب، وإنما العكس هو الصحيح فيقاس المجهول على المعلوم والغائب على الحاضر، فلا يصح أن نقيس الإنسان الذي أمامنا والمعلوم لدينا على الإنسان الأول الغائب والمجهول لدينا لنعرف من ذلك معنى الفكر عند الإنسان الحالي، وإنما نقيس الإنسان الأول على الإنسان الحالي فنعرف من معرفة الفكر والإدراك عند الإنسان الحالي، الفكر والإدراك عند الإنسان الأول. ولهذا كان من الخطأ إيراد هذا القول. ثم أن ما يرويه التاريخ عن الإنسان الأول أو كما يقولون الإنسان في العصر الحجري إنما كان يبحث عن طعامه فيستعمل الأدوات الحجرية لقطف الثمار في الغابات وصيد الأسماك وبناء المساكن ودفع أذى الحيوانات المفترسة. وهذا إذا صح فإنه شيء يتعلق بإشباع الغرائز ولا يتعلق بالفكر، أي يتعلق بالإدراك الشعوري ولا يتعلق بالإدراك العقلي. وما يتعلق بالغرائز يحصل فيه إدراك شعوري من مجرد الإحساس ومن تكرار هذا الإحساس وتنوعه. فيعرف من تكرار الإحساس وتنوعه الثمار التي تؤكل والكيفية التي يحصل عليها، ويعرف الحيوان الذي يؤذي والكيفية التي يدفعه بها، ويعرف أذى المطر والبرد والكيفية التي يتقيه بها من الكهف وبناء المسكن. فهذا كله يحصل بالإحساس وبتكرار الإحساس، وهو يحصل عند الحيوان كما يحصل عند الإنسان. وقصة القرد وقطف الموز مشهورة، فقد علقوا قطف موز في سقف غرفة ووضعوا في الغرفة كرسياً ووضعوا عصا وادخلوا القرد إليها، فنظر إلى قطف الموز وحاول الحصول على شيء منه فلم يستطع فصار يدور في الغرفة واصطدم بالكرسي فأحضره وصعد عليه وصار يحاول الوصول إلى الموز فلم يستطع ثم صار يدور في الغرفة فحصل على العصا وصار يحاول أن يأخذ الموز بها فلم يستطع وأخيراً صعد على الكرسي والعصا بيده فحاول الحصول على الموز بالعصا فاسقط من الموز على الأرض قطعاً فنزل وأكلها وهكذا صار يستعمل الكرسي والعصا فيحصل بذلك على الموز. فهذا العمل من القرد ليس فكراً وإنما هو إدراك شعوري يتعلق بالغرائز وإشباعها وهو يكفي فيه الإحساس بالواقع وتكرر هذا الإحساس وتنوعه. ومثل هذه الحادثة حادثة سرقة الفئران للبيض وهي كذلك واقعة ومشهورة. فإن الفئران حين تحاول سرقة البيض من المكان الذي هو فيه إذا كان في متناول الفأر، فينام الفأر على ظهره ويحاول الفأر الآخر دحرجة البيضة حتى يضعها على بطن الفأر النائم فيقبض عليها هذا برجليه ويديه، ثم يأخذ الفأر الآخر بذنب الفأر النائم ويجره حتى يصل وكره فيضع البيضة ثم يرجعان معاً لأخذ غيرها.. وهكذا. فهذا أيضاً وإن كان عملية معقدة وليست بسيطة ولكنه يحصل بالفعل وهو ليس فكراً وإنما هو إدراك شعوري يتعلق بالغرائز. وعلى هذا الوجه ورد وصف الإنسان الأول فيكون ما ورد عنه هو من قبيل الإدراك الشعوري وليس من قبيل الفكر. على أن تعريف الفكر يجب أن يكون يقينياً لا ظنياً، لأنه يتخذ أساساً لكل شيء وعليه يبنى التصرف تجاه الحوادث والأشياء فلا بد أن يكون دليله يقينياً لا ظنياً ولا تخمينياً، وما ورد عن الإنسان الأول إنما ورد في التاريخ وهو ظني وليس بيقيني فلا يصح أن يتخذ دليلاً على تعريف شيء يقيني، فيؤخذ أعظم شيء على الإطلاق لدى الإنسان وهو معنى العقل والفكر والإدراك من روايات تاريخية. والكل يعرف مدى الثقة بالتاريخ، أو من أدوات وأشياء وجدت آثاراً فيؤخذ منها الفكر عند الإنسان الأول ويبني على ذلك تعريف الفكر عند الإنسان الحالي. إن هذا لا يقبله عاقل، فلا يصح أن يجعل مستند شيء هو أعظم الأشياء على الإطلاق عند الإنسان رواية تاريخ أو آثار إنسان، بل يجب أن يوضع الإنسان الحالي، هذا الإنسان الذي نحسه ونشاهده، محل البحث، ومن البحث فيه نأخذ معنى الفكر. فنلاحظ ونشاهد ما يظهر عليه من علامات وآثار نتيجة لوضعه ضمن ظروف وشروط مختلفة، ونأخذ النتائج الدائمية التي لا تتخلف مطلقاً بعد أن تصبح يقينية ثم نضع تعريف العقل أو الفكر أو الإدراك. وبذلك نكون توصلنا إلى الحقيقة القطعية.