فهرس الكتاب

الصفحة 17190 من 27364

وأما ما يحصل في العين من الإبصار فإنه كذلك ليس انعكاساً وإنما هو انكسار، فإن الضوء ينكسر في العين، وتستقر صورة المادة على الشبكية ولا ترتد إلى الخارج، فالذي حصل انكسار وليس انعكاساً، وفرق بين الانعكاس والانكسار. فالانعكاس ارتداد الصورة إلى الخارج، والانكسار استقرار الصورة في الداخل. فالصورة التي تظهر في المرآة هي عملية انعكاس، وهي إنما تظهر حين ينعكس عليها الضوء، فتستقر الصورة، وحين لا يكون ضوء لا تظهر، فالانعكاس في هذه العملية هو للضوء على جسم غير قابل لاختراق الضوء إليه، ولذلك لا تظهر الصورة إذا لم ينعكس الضوء. فالوضع في هذه الحالة انعكاس للضوء وليس للصورة، أما الصورة فتستقر، ولذلك حين تظهر صورة الشخص أو المادة في عين آخر تظهر من انعكاس الضوء ولذلك لا تظهر في الظلام، وهذا أيضاً ليس انعكاساً للشخص أو المادة وإنما هو انعكاس للضوء. وفوق ذلك فإنه لا يحصل منه إبصار. ومن ذلك يتبين أن الصورة التي تظهر في المرآة، والصورة التي تظهر في عين شخص آخر هي عملية انعكاس وليست عملية انكسار، والانعكاس في هذه العملية هو للضوء على جسم غير قابل لاختراق الضوء له، وليس للصورة. وأما الإبصار فإنه ليس من هذا القبيل، فليس هو انعكاساً، وإنما ينكسر الضوء الآتي من المادة في العين، فيوجد صورتها على الشبكية فيحصل حينئذ من هذا الانكسار إبصار. فيكون أيضاً ما يحصل من نقل الواقع بواسطة حسن الإبصار إلى الدماغ ليس انعكاساً وإنما هو انكسار، ولهذا كله فإن موضوع الانعكاس من حيث هو غير موجود في عملية الفكر، ولا يتأتى وجوده، فيكون تعريف الفكر في الديالكتيكية خطأ مخالفاً للواقع.

الثاني: إن الحس وحده لا يحصل منه فكر، بل الذي يحصل هو الحس فقط، أي الإحساس بالواقع ليس غير، وإحساس زائد إحساس زائد مليون إحساس، مهما تعدد نوع الإحساس إنما يحصل منه إحساس فقط ولا يحصل فكر مطلقاً، بل لا بد من وجود معلومات سابقة عند الإنسان يفسر بواسطتها الواقع الذي أحس به حتى يحصل فكر. ولنأخذ الإنسان الحالي، أي إنسان، ونعطيه كتاباً سريانياً ولا توجد لديه أية معلومات تتصل بالسريانية، ونجعل حسه يقع على الكتابة بالرؤية واللمس، ونكرر هذا الحس مليون مرة، فإنه لا يمكن أن يعرف كلمة واحدة حتى يعطى معلومات عن السريانية وعما يتصل بالسريانية، فحينئذ يبدأ يفكر بها ويدركها. وكذلك لنأخذ الطفل الذي وجد عنده الإحساس ولم توجد عنده أية معلومات، ولنضع أمامه قطعة ذهب وقطعة نحاس وحجراً ونجعل جميع احساساته تشترك في حس هذه الأشياء فإنه لا يمكنه أن يدركها مهما تكررت هذه الاحساسات وتنوعت. ولكن إذا أعطي معلومات عنها وأحسّها فإنه يستعمل المعلومات ويدركها. وهذا الطفل لو كبرت سنه وبلغ عشرين سنة ولم يأخذ أية معلومات فإنه يبقى كأول يوم يحس بالأشياء فقط ولا يدركها مهما كبر دماغه، لأن الذي يدرك ليس الدماغ وإنما هو المعلومات السابقة مع الدماغ ومع الواقع الذي يحسه. والتلاميذ في المختبر لا يمكنهم إيجاد فكر عما بين أيديهم ولو أحسّوه بجميع أنواع الإحساس ملايين المرات ما لم تعط لهم معلومات عنه.. وهكذا. فإنه لا يمكن أن يوجد فكر مطلقاً بمجرد الإحساس بالواقع بل لا بد من معلومات عنه يفسر بواسطتها فيوجد الفكر. فالمعلومات السابقة أمر لا بد منه لإيجاد فكر أو إدراك إلى جانب الإحساس بالواقع وبدونه لا يوجد فكر على الإطلاق.

هذا من ناحية الإدراك العقلي، أما من ناحية الإدراك الشعوري فناتج عن الغرائز والحاجات العضوية. وما يحصل عند الحيوان من إدراك شعوري أو تمييز غريزي يحصل عند الإنسان كذلك. فيعرف من تكرار إعطائه التفاحة والحجر أن التفاحة تؤكل والحجر لا يؤكل كما يعرف الحمار أن الشعير يؤكل وأن التراب لا يؤكل. ولكن هذا التمييز ليس فكراً ولا إدراكاً وإنما هو رجع للغرائز وللحاجات العضوية، وهو موجود عند الحيوان كما هو موجود عند الإنسان. ولذلك لا يمكن أن يحصل فكر إلا إذا وجدت المعلومات السابقة مع نقل الواقع إلى الدماغ بواسطة الحواس. وعليه فالعقل أو الفكر أو الإدراك هو نقل الواقع إلى الدماغ بواسطة الحواس ووجود معلومات سابقة يفسر بواسطتها الواقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت