فهرس الكتاب
ويقول لينين:"تقبل المادية بصورة عامة أن الكائن الواقعي الموضوعي (المادة) هو مستقل عن الإدراك، عن الاحساسات، عن التجربة. فالإدراك ليس إلا انعكاس الكائن، وهو في أحسن الحالات انعكاس صحيح تقريباً"أي انعكاس تام بالغ أعلى درجات الدقة. ويقول فيما بعد:"المادة هي ما ينتج الاحساسات بالتأثير في أعضاء حواسنا. المادة واقع موضوعي تعطينا إياه الاحساسات. المادة، والطبيعة، والكائن، والموجود الفيزيائي هي العنصر الأول، بينما العقل، والإدراك، والاحساسات، والموجود النفسي هي العنصر الثاني"ثم يقول:"الدماغ هو عضو التفكير". وهذا الكلام كله يعطي أن الواقع من مادة وطبيعة وكائن وموجود فيزيائي هو الأصل، وأنه نتج عن هذا الواقع العقل والإدراك، ونتج عنه الاحساسات، ونتج عنه الموجود النفسي. وهو وإن كان لم يبين كيف نتج عنه ولكن سياق الكلام يفهم منه أن انعكاس الواقع على الدماغ هو الذي أنتجها، وأن الدماغ إنما هو العضو الذي يجرى عليه الانعكاس، فيحصل من هذا الانعكاس العقل والفكر والإحساس والموجود النفسي. ويفهم من هذا الكلام أن الاحساسات نتيجة انعكاس المادة وليست جزءاً من تكوين الإنسان. فالواقع إذن هو الأصل، والإدراك والاحساسات تنتج عنه.
هذه هي الناحية الأولى في الطريقة الديالكتيكية، وهي البحث في الفكر. فهي تقول:"ليست حركة الفكر سوى انعكاس الحركة الواقعية منقولة إلى دماغ الإنسان مستقرة فيه""فالإدراك ليس إلا انعكاس الكائن". فالفكر في نظر المادية الديالكتيكية هو انعكاس الواقع على الدماغ، فالمادة تسبق الفكر. ولذلك فإن المادة حين تنعكس على الدماغ يوجد بهذا الانعكاس الفكر، فيفكر في المادة التي انعكست عليه، أما قبل انعكاس المادة على الدماغ فلا يوجد فكر. وعليه فكل شيء مبني على المادة."المادة والطبيعة والكائن والموجود الفيزيائي هي العنصر الأول، بينما العقل والإدراك والاحساسات والموجود النفسي هي العنصر الثاني". وهذا التعريف للعقل بأنه انعكاس المادة على الدماغ خطأ من وجهين:
الأول: إنه لا يوجد انعكاس بين المادة والدماغ، فلا الدماغ ينعكس على المادة، ولا المادة تنعكس على الدماغ. لأن الانعكاس هو ارتداد المادة المنعكسة عما انعكست عليه، فالانعكاس في الضوء مثلاً هو ارتداد الضوء إلى الخلف. فإذا جاءت أشعة الشمس على الجدار اصطدمت به وارتدت عنه، فهذا الارتداد هو الانعكاس. وإذا جاء الضوء إلى المرآة وارتد عنها، فهذا الارتداد هو الانعكاس، فالانعكاس هو ارتداد المادة أو الطاقة عن الجسم. وهذا غير موجود لا في الدماغ ولا في الواقع المادي. فالدماغ لا يصطدم بالواقع ويرتد عنه، وكذلك الواقع لا يصطدم بالدماغ ويرتد عنه فلا يوجد انعكاس بين المادة والدماغ مطلقاً. وعليه فإن الفكر ليس انعكاس المادة على الدماغ لأن الانعكاس بينهما ليس موجوداً، ولا يوجد، بل لا يتأتى وجوده. فلا يتأتى أن يحصل انعكاس من الواقع المادي على الدماغ ولا بحال من الأحوال. والمادة حين تنتقل إلى الدماغ لا تنعكس عليه انعكاساً وإنما تنتقل إليه بواسطة الحواس، فينتقل الإحساس بالمادة إلى الدماغ بواسطة الحواس فيحصل حينئذ إحساس بها، ونقل الإحساس بالمادة إلى الدماغ ليس انعكاساً بالمادة على الدماغ، ولا انعكاساً للدماغ على المادة، وإنما هو حس بالمادة. ولا فرق في ذلك بين العين وغيرها من الحواس. فيحصل من اللمس والشم والذوق والسمع إحساس كما يحصل من الإبصار. إذن فالذي يقع إنما هو إحساس بالأشياء وليس انعكاس الأشياء على الدماغ وإنما هو حس بالأشياء. فالإنسان يحس بالأشياء بواسطة حواسه الخمس، ولا تنعكس على دماغه الأشياء.