فهرس الكتاب

الصفحة 17188 من 27364

وبما أنه ثبت أن هذه القوانين ليست من المادة ولا خاصية من خواصها فتكون آتية من غيرها، ومفروضة عليها فرضاً من غيرها ومن خارجها، وبذلك يثبت أن غير المادة هو الذي يؤثر فيها، وبذلك يثبت بطلان نظرية الشيوعيين، لأنه ثبت أن العالم ليس سائراً تبعاً لقوانين حركة المادة بل هو سائر بتسيير من أوجد هذه القوانين وفرضها عليه فرضاً، فيكون العالم بحاجة لمن وضع له هذه القوانين وفرضها عليه. وما دام بحاجة إلى من فرض عليه هذه القوانين فهو أي العالم ليس أزلياً، وما دام ليس أزلياً فهو مخلوق. لأن كونه ليس أزلياً يعني أنه وجد بعد أن لم يكن فهو مخلوق لخالق، ومجرد ثبوت وجود المخلوقات لخالق يثبت وجود الخالق.

هذه هي البراهين على وجود الخالق لإثبات وجوده لأولئك الذين عقدوا أنفسهم فتعقدت نظرتهم إلى العالم، وهي براهين مسكتة كافية لنقض نظريتهم. فإن إثبات أن المادة لا تملك السير إلا بحسب هذه القوانين، ولا تملك أن تغيرها أو تخرج عنها دليل ملزم بأن هناك غير المادة فرض عليها هذه القوانين فرضاً، فكانت المادة محتاجة إلى غيرها، فهي مخلوقة وليست أزلية، وبذلك يبطل أساس المادة الديالكتيكية وهو العقيدة الأساسية، ويبقى الكلام عن الطريقة الديالكتيكية من حيث النواحي التي تأخذها.

والطريقة الديالكتيكية الماركسية من حيث هي تأخذ ناحيتين في البحث:

إحداهما ناحية البحث في الفكر، والثانية ناحية البحث في الطبيعة. فمن ناحية الفكر ترى أن الفكر هو انعكاس الواقع على الدماغ، أي أن القضية هي قضية واقع وليست قضية فكر. فالواقع موجود أولاً، ووجوده هو الذي أوجد الفكر، فالواقع ينعكس على الدماغ، وانعكاسه هذا هو الفكر.

يقول ماركس:"إن طريقتي لا تختلف عن الطريقة الهيغلية من حيث الأساس فحسب، بل ضدها تماماً. فحركة الفكر، هذا الفكر الذي يشخصه هيغل ويطلق عليه اسم"الفكرة"هي في نظره خالق الواقع وصانعه، فما الواقع إلا الشكل الحادثي للفكرة. أما في نظري فعلى العكس، ليست حركة الفكر سوى انعكاس الحركة الواقعية منقولة إلى دماغ الإنسان ومستقرة فيه".

وعلى هذا فإن هيغل يرى أن الفكرة قبل الواقع. ولكن ماركس يرى أن الواقع قبل الفكرة، وأن الفكرة هو انعكاس الواقع على الدماغ.

وتقول كتب الشيوعيين: تقوم المادية الفلسفية الماركسية على مبدأ آخر وهو أن المادة، والطبيعة، والكائن، هي حقيقة موضوعية موجودة خارج الإدراك وبصورة مستقلة عنه، وأن المادة هي عنصر أولي لأنها منبع الاحساسات، والتصورات، والإدراك. بينما الإدراك هو عنصر ثان مشتق، لأنه انعكاس المادة، انعكاس الكائن، وأن الفكر هو نتاج المادة لما بلغت في تطورها درجة عالية من الكمال، أو بتغيير أدق أن الفكر هو نتاج الدماغ، والدماغ هو عضو التفكير، فلا يمكن بالتالي فصل الفكر عن المادة دون الوقوع في خطأ كبير، فعند الشيوعيين المادة هي الأصل للإحساس، وهي الأصل للتصورات، وهي الأصل للفكر، فهي منبع هذه الأمور الثلاثة، وأن الفكر هو انعكاس المادة على الدماغ. وهم يصرحون بأن الفكر هو نتاج المادة ولكنهم يبينون كيف كان نتاجها بأنه انعكاس المادة.

ويقول انجلس:"إن مسألة علاقة الفكر بالكائن، وعلاقة العقل بالطبيعة، هي المسألة العليا في كل فلسفة. وكان الفلاسفة تبعاً لإجابتهم على هذه المسألة ينقسمون إلى معسكرين كبيرين. فأولئك الذين كانوا يؤكدون تقدم العقل على الطبيعة يؤلفون معسكر المثالية، والآخرون الذين كانوا يقررون تقدم الطبيعة ينتمون إلى مختلف المدارس المادية"ويقول فيما بعد:"إن العالم المادي الذي تدركه حواسنا، والذي ننتمي إليه نحن أنفسنا هو الواقع الوحيد، أما إدراكنا وفكرنا فهما، مهما ظهرا رفيعين ساميين، ليسا سوى نتاج عضوي مادي جسدي هو الدماغ. إن المادة ليست من نتاج العقل، بل أن العقل ليس سوى نتاج المادة الأعلى".

وهذا الكلام يدل كذلك على أن المادة هي الأصل وأن الفكر هو نتاجها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت