فهرس الكتاب
على أن كون العالم ليس أزلياً يكفي لإثباته ما يشاهد فيه من ربيع وصيف وشتاء وخريف، ومن تلبد غيوم وصفاء أجواء، ومن برق ورعود وريح عاصف ونسيم عليل، ومن موت وحياة، ومن انتقال الحبة إلى زرع وإلى هشيم، والغرسة إلى شجرة وإلى خشب وأحطاب، والماء إلى بخار أو جليد، ومن انتقال النطفة إلى جنين إلى طفل إلى شاب إلى شيخ هرم، والبيضة إلى كتكوت إلى دجاج إلى طعام يأكله الناس، وإلى غير ذلك مما يحدث في العالم ككل وما يحدث في كل جزء من أجزائه. فإن هذا كاف للبرهان على أن العالم حادث بوصفه كلاً، وأنه حادث بكل جزء من أجزائه، وكونه حادثاً يعني أنه ليس أزلياً، أي أن له أولاً قد ابتدأ منه، وهذا يعني أنه مخلوق لخالق. فكونه له ابتداء معناه أنه كان معدوماً ووجد، وكونه قد وجد من عدم يحتم أن له موجداً أوجده. وهذا كاف لإثبات وجود الخالق، لأن وجود مخلوق لخالق يعني حتماً وجود الخالق، وبذلك ينقض ما ذهب إليه بعض الناس في العصر القديم من أن العالم أزلي قديم، ويثبت أن العالم مخلوق لخالق، وبذلك يثبت وجود الخالق.
وأما بالنسبة لما قال به بعضهم في العصر الحديث، أي بالنسبة لما قال به الشيوعيون، فإننا نجد أن موضع الإنكار عندهم هو أنهم يقولون إن العلاقات المتبادلة بين الحوادث، وتكييف بعضها بعضاً بصورة متقابلة، هي قوانين ضرورية لتطور المادة المتحركة، وأن العالم يتطور تبعاً لقوانين حركة المادة. هذا هو موضع إنكار وجود الخالق عندهم. فالتعقيد جاء إليهم من تفسير ما في العالم من تغير وانتقال من حال إلى حال، وما فيه من وجود بعض الأشياء بعد أن لم تكن وانعدام بعض الأشياء بعد أن كانت، أو على حد تعبيرهم من تشكل المادة بأشكال مختلفة، من تفسير ذلك بأنه إنما يحدث من قوانين المادة وليس من شيء غيرها، فقوانين حركة المادة هي التي تؤثر في العالم، وهو يتطور تبعاً لقوانين حركة المادة. هذا هو موضع الإنكار، ولذلك كان المطلوب هو حل هذه العقدة عندهم، أي كان محل البحث هو قوانين المادة وليس تغير العالم. فإذا ثبت أن هذه القوانين لم تأت من المادة، ولا هي خاصة من خواصها، وإنما هي مفروضة على المادة فرضاً من غيرها ومن خارجها، فإنه يكون هناك غير المادة هو الذي يؤثر فيها، وبذلك تبطل نظريتهم وتحل العقدة عندهم، لأنه يكون العالم ليس سائراً تبعاً لقوانين حركة المادة، بل سائراً بتسيير من أوجد له هذه القوانين وفرضها عليه فرضاً، وأجبره على أن يسير بحسبها، فتنقض النظرية وتحل العقدة.
أما كون هذه القوانين لم تأت من المادة فلأن القوانين هي عبارة عن جعل المادة في نسبة معينة أو وضع معين، فالماء حتى يتحول إلى بخار أو إلى جليد إنما يتحول حسب قوانين معينة، أي حسب نسبة معينة من الحرارة فإن حرارة الماء ليس لها في باديء الأمر تأثير في حالته من حيث هو سائل، لكن إذا زيدت أو أنقصت حرارة الماء جاءت لحظة تعدلت فيها حالة التماسك التي هو فيها وتحول الماء إلى بخار في إحدى الحالات وإلى جليد في الحالة الأخرى، فهذه النسبة المعينة من الحرارة هي القانون الذي بحسبه يجري تحول الماء إلى بخار أو إلى جليد، وهذه النسبة، أي كون الحرارة بمقدار معين لمقدار معين من الماء لم تأت من الماء، لأنه لو كانت منه لكان بإمكانه أن يغيرها وأن يخرج عنها، لكن الواقع أنه لا يستطيع تغييرها ولا الخروج عنها وإنما هي مفروضة عليه فرضاً فدل ذلك على أنها ليست منه قطعاً، وكذلك لم تأت من الحرارة، بدليل أنها لا تستطيع أن تغير هذه النسبة أو تخرج عنها، وأنها مفروضة عليها فرضاً، فهي ليست منها قطعاً، فتكون هذه القوانين ليست من المادة.
وأما كون هذه القوانين ليست خاصية من خواص المادة، فلأن القوانين ليست أثراً من آثار المادة الناتجة عنها حتى يقال أنها من خواصها وإنما هي شيء مفروض عليها من خارجها. ففي تحول الماء ليست القوانين فيه من خواص الماء ولا من خواص الحرارة، لأن القانون ليس تحول الماء إلى بخار أو إلى جليد، بل القانون تحوله بنسبة معينة من الحرارة لنسبة معينة من الماء. فالموضوع ليس التحول، وإنما هو التحول بنسبة معينة من الحرارة لنسبة معينة من الماء، فهو ليس كالرؤية في العين من خواصها، بل هو كون الرؤية لا تكون إلا بوضع مخصوص. هذا هو القانون، فكون العين ترى خاصية من خواصها، ولكن كونها لا ترى إلا في وضع مخصوص ليس خاصية من خواصها وإنما هو أمر خارج عنها، وكالنار من خواصها الإحراق، ولكن كونها لا تحرق إلا بأحوال مخصوصة ليس خاصية من خواصها بل هو أمر خارج عنها، فخاصية الشيء هي غير القوانين التي تسيره، إذ الخاصية هي ما يعطيه الشيء نفسه وينتج عنه كالرؤية في العين وكالإحراق في النار وما شاكل ذلك، ولكن القوانين التي تسيّر الأشياء هي كون الرؤية لا تحصل من العين إلا بأحوال مخصوصة وكون الإحراق لا يحصل من النار إلا بأحوال مخصوصة وكون الماء لا يتحول إلى بخار أو جليد إلا بأحوال مخصوصة.. وهكذا وبهذا ثبت أن قوانين المادة ليست خاصية من خواص المادة وإنما هي أمر خارج عنها.