فهرس الكتاب
شاهده تيتوف في الأرض، وهو أصدق البراهين مع كونه في منتهى البساطة. ومنه كذلك سؤال الإنسان عن خلقه من الماء الدافق، ومنه سؤال الناس عما يمنون وعما يحرثون وعما يوقدون، هل خلقوا الأولاد من هذا الذي يمنون، والزرع من هذا الذي يزرعون، والشجر الذي يوقدون. فجوابهم القطعي وهم يقطعون بأنهم ليسوا هم الموجدين هو أن هناك خالقاً خلقها غيرهم. ومنه أي من البرهان الحسي لفت نظر العقول إلى خلق السموات والأرض، وإلى اختلاف الليل والنهار، وإلى الفلك التي تجري في البحر، وإلى المطر، وإلى ما بث في الأرض من كل دابة، وإلى تصريف الرياح، وإلى السحاب، لتدرك هذه العقول من هذه المحسوسات أن هناك خالقاً. فكل هذه براهين قاطعة على وجود الخالق، وهي براهين مسكتة، وهي في منتهى البساطة يدركها جميع الناس ويسلم بها جميع الناس، ولا يجد أحد جواباً عليها. فوجود الخالق بهذه البراهين محسوس ملموس يوضع الإصبع عليه، وهي براهين في منتهى البساطة.
وأما كون البرهان على وجود الخالق في منتهى التعقيد فذلك أن هناك أناساً من البشر يأبون البساطة ويعقدون على أنفسهم الأمور فيبحثون في هذا الأمر البسيط بشكل معقد، فيصلون إلى أشياء جديدة تعقد عليهم الأمور، ولذلك صار لا بد لهم من براهين على هذه الأمور الجديدة التي وصلوا إليها. فمن ذلك أن بعض الناس في العصر القديم رأوا أن العالم متغير بالمشاهدة والحس، وهذا أمر لا يستطيع أحد إنكاره، وهذا يعني أن العالم حادث لأن كل متغير حادث، وما دام حادثاً فهو مخلوق، أي وجد بعد أن لم يكن، ولكنهم رأوا أن تغيره إنما هو في أجزائه التي يتكون منها، أما هو ككل فرأوه كما هو، فالكواكب لا تزال كما هي كواكب لم تتغير، والحياة لا تزال في الأحياء هي الحياة لم تتغير والإنسان لا يزال هو الإنسان لم يتغير، فتوصلوا من ذلك إلى أن العالم ليس حادثاً وإنما هو قديم أزلي لا أول له فهو إذن ليس مخلوقاً لخالق. ومن ذلك أن بعض الناس في العصر الحديث رأوا أن حوادث العالم متعددة كما يشاهد ذلك بالحس فهي تنتقل من حال إلى حال، ونقلها هذا من حال إلى حال وجعلها في حركة دائمة ليس ناتجاً منها، فإنها بذاتها ومفردها لا تستطيع ذلك ولا تملك دفعه عنها. فكان الأمر الطبيعي أن يتوصلوا بذلك إلى وجود قوة تنقلها من حال إلى حال وتحركها، أي أن يتوصلوا إلى وجود خالق للعالم، ولكنهم توصلوا إلى عكس ذلك تماماً، إذ قالوا أن العالم بطبيعته مادي، وأن حوادث العالم المتعددة هي مظاهر مختلفة للمادة المتحركة، وأن العلاقات المتبادلة بين الحوادث، وتكييف بعضها بعضاً بصورة متبادلة، هي قوانين ضرورية لتطور المادة المتحركة، وأن العالم يتطور تبعاً لقوانين حركة المادة، وتوصلوا من ذلك إلى أن العالم ليس بحاجة إلى عقل كلي، فليس بحاجة إلى خالق يخلقه، لأنه مستغن بنفسه. ومن هذا يتبين أنه في القديم والحديث لم يأت إنكار وجود الخالق طبيعياً وإنما جاء على مخالفة للأمر الطبيعي بتفسير ما يلزم بالاعتراف بوجود الخالق تفسيراً مغلوطاً يؤدي إلى إنكار وجوده. فبالنسبة للقديم نجد أن تغير العالم أمر لا يمكن إنكاره، والتغير ليس في أجزائه فحسب بل فيه أيضاً ككل غير أن التغير لا يعني أن حقيقته قد تغيرت، وإنما وضعه في تغير دائم، فالبرتقالة ونبتة الزرع والحجر والحديد والإنسان والحيوان وغير ذلك تتغير من حال إلى حال بالمشاهدة، ولكن تغيرها لا يعني أن البرتقالة تصبح حجراً والحجر يصبح حديداً والحديد يصبح نبتة زرع.. وهكذا.. وإنما التغير يكون بالصفات ويكون بالأحوال، وأما تغيره إلى شيء آخر فهو تبدل، والتبدل ليس هو البرهان وإنما البرهان هو وجود التغير، وبناء على هذا ليس صحيحاً أن العالم ككل لم يتغير، وليس صحيحاً أن الكواكب لا تزال كما هي لم تتغير وليس صحيحاً أن الإنسان كما هو لم يتغير، وليس صحيحاً أن الحياة كما هي لم تتغير. فالعالم في مجموعه بكل ما فيه من كون وإنسان وحياة يتغير، فالكواكب متغيرة بالمشاهدة ومجرد حركتها هو تغير، والإنسان متغير بالمشاهدة وانتقاله من طفل إلى شاب إلى هرم هو تغير، والحياة متغيرة بالمشاهدة وكونها تظهر في الإنسان والحيوان والنبتة والشجرة دليل على وجود التغير فيها فهي متغيرة حتماً، وبذلك ينقض ما ذهبوا إليه بأن العالم ليس حادثاً لأنه متغير ككل وكأجزاء بل هو دام التغير. وكل متغير حادث، فالعالم حادث وإذن هو ليس أزلياً، وما دام ليس أزلياً فهو مخلوق لخالق لأن غير الأزلي مخلوق.