فهرس الكتاب

الصفحة 17185 من 27364

على أن وجود الخالق حقيقة ملموسة محسوسة يوضع الإصبع عليها، فالوجود للخالق يوضع الإصبع عليه بالحس وإدراكه إدراك حسي مباشر وليس إدراكاً من قضايا منطقية، بل الحس بهذا الوجود للخالق هو الذي يعطي هذا الإدراك كإدراك أي شيء محسوس. وليس معنى هذا أن الخالق محسوس ملموس بل وجود هذا الخالق هو المحسوس الملموس. والبرهان عليه في منتهى البساطة وإن كان أيضاً في منتهى التعقيد. أما كونه في منتهى البساطة فإن الإنسان يحيا في الكون فهو يشاهد في نفسه، وفي الحياة التي يحياها الأحياء، وفي كل شيء في الكون تغيراً دائماً وانتقالاً من حال إلى حال، ويشاهد وجود أشياء وانعدام أشياء، ويشاهد دقة وتنظيماً في كل ما يرى ويلمس فيصل من هذا عن طريق الإدراك الحسي إلى أن هناك موجداً لهذا الوجود المدرك المحسوس. وهذا أمر طبيعي جداً، فإن الإنسان يسمع دوياً، فيظن أنه دوي طائرة أو سيارة أو مطحنة أو أي شيء ولكن يوقن أنه دوي ناتج عن شيء فيوقن بوجود شيء خرج منه هذا الدوي، فكان وجود الشيء الذي نتج عنه الدوي أمراً قطعياً عند من سمعه. فقد قام البرهان الحسي على وجوده وهو برهان في منتهى البساطة، فيكون الاعتقاد بوجود شيء نتج عنه الدوي اعتقاداً جازماً قام البرهان القطعي عليه، ويكون هذا الاعتقاد أمراً طبيعياً ما دام البرهان الحسي قد قام عليه، وكذلك فإن الإنسان يشاهد التغير في الأشياء ويشاهد انعدام بعضها ووجود غيرها، ويشاهد الدقة والتنظيم فيها، ويشاهد أن كل ذلك ليس منها، وأنها عاجزة عن إيجاده وعاجزة عن دفعه، فيوقن أن هذا كله صادر عن غير هذه الأشياء، ويوقن بوجود خالق خلق هذه الأشياء وهو الذي يغيرها ويعدمها وينظمها، فكان وجود هذا الخالق الذي دل عليه وجود الأشياء وتغيرها وتنظيمها أمراً قطعياً عند من شاهد تغيرها ووجودها وانعدامها ودقة تنظيمها. فقد قام البرهان الحسي بالحس المباشر على وجوده وهو برهان في منتهى البساطة، فيكون الاعتقاد بوجود خالق لهذه الأشياء المخلوقة والتي تعدم وتتغير ولا تملك إيجاد ذلك لها ولا دفعه عنها اعتقاداً جازماً قام البرهان القطعي عليه. ولذلك كان من الطبيعي جداً أن من يشاهد الأشياء المدركة المحسوسة وما يحصل لها وفيها مما لا تستطيع إيجاده لها ولا دفعه عنها أن يصل من هذا عن طريق الإدراك الحسي إلى أن هناك موجداً لهذا الوجود المدرك المحسوس. وهذا أمر عام يشمل جميع البشر ولا يستثنى منه أحد مطلقاً. ولذلك كان الإقرار بوجود الخالق عاماً عند جميع بني الإنسان في جميع العصور، والخلاف بينهم إنما كان بتعدد الآلهة أو توحيدها، ولكنهم مجمعون على وجود الخالق، لأن أدنى إعمال للعقل فيما يحسه من الموجودات يري أنها مخلوقة لخالق وأن هناك خالقاً، لهذا كان البرهان بسيطاً في منتهى البساطة، لأنه لا يعدو لفت النظر إلى ما يقع عليه الحس من الموجودات. فإن مجرد النظر فيها مما لا تستطيع إيجاده لنفسها ولا دفعه عنها يوصل إلى أنها مخلوقة لخالق وإلى أن هناك خالقاً خلقها. ولذلك جاءت أكثر براهين القرآن لافتة النظر إلى ما يقع عليه حس الإنسان للاستدلال بذلك على وجود الخالق: (أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ(، (فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ( خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ( يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(، (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ( أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ(، (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ( أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ(، (أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ(، (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ(، (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ( فهذه براهين قاطعة على وجود الخالق، فلينظر الإنسان إلى كيفية خلق الإبل، ورفع السماء، ونصب الجبال يدرك وجود الله، ولذلك فإن تيتوف رائد الفضاء الروسي حين قام برحلته الفضائية حول الأرض قال أنه رأى الأرض معلقة في الفضاء لا يمسكها شيء أبداً لا من فوقها ولا من تحتها ولا عن جوانبها فهي معلقة من نفسها هكذا في الفضاء دون أن يمسكها شيء وأنه تذكر ما تقوله الديانات. أي أنه استدل من هذه المشاهدة أنه لا يمكن للأرض أن تعلق هكذا في الفضاء لا يمسكها شيء وهو يدور حولها ولا يجد شيئاً يمسكها ومع ذلك هي معلقة ولا تسقط استدل من ذلك على أنه لا بد من شيء يمسكها ويمنعها من السقوط. فهذا برهان حسي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت