فهرس الكتاب
هذه هي الأمور الثلاثة التي لا بد من لفت النظر إليها عند دراسة البرهان على وجود الخالق أي على وجود الله، وإنما يلفت النظر إلى هذه الأمور الثلاثة لأن كون الكون والإنسان والحياة محدودة وليست أزلية أمر قطعي، والبرهان عليه برهان مسكت لا يترك جواباً عند أحد، فقد يلجأ بعضهم إلى القول بأن هذا بحث لغوي لمدلول الكلمات فلا يصح أن يكون برهاناً على وجود الخالق. فلا بد من بيان أنه بحث لواقع يثبت أن الكون والإنسان والحياة لها هذا الواقع وهو أن لها أولاً وأن لها آخراً، وأنها ليست مما لا أول له، فهي إذن مخلوقة لخالق. ولأن كون الأشياء المدركة المحسوسة محتاجة كذلك أمر قطعي، والبرهان عليه برهان مسكت لا يترك جواباً عند أحد، فقد يلجأ بعضهم إلى القول أن احتياجها أمر صحيح والشيوعيون يسلمون به حين يقولون بالشرطية، ولكنها محتاجة لبعضها فلا يصح أن يكون احتياجها لبعضها برهاناً على وجود الخالق. فلا بد من بيان أن الشرطية التي يقول بها الشيوعيون غير الاحتياج بدليل قولهم أن العالم يتطور تبعاً لقوانين حركة المادة وهو ليس بحاجة لأي عقل كلي فهم مع قولهم بالاشتراط ينفون عن العالم أنه محتاج، فالشرطية التي يقولون بها هي غير الاحتياج ولكن يترتب على القول بها القول بالاحتياج، ومجرد القول بالاحتياج معناه اعتراف بأنه مخلوق، لأن كونه محتاجاً معناه أنه ليس أزلياً فهو مخلوق، وفوق ذلك فإن قوله أن العالم يتطور تبعاً لقوانين حركة المادة معناه أنه محتاج لهذه القوانين، وهذه القوانين لم تأت من المادة نفسها لأن المادة خاضعة لهذه القوانين ولا تستطيع الخروج عنها ويستحيل عليها تغييرها فهي مفروضة عليها فرضاً لا تملك الخروج عنه أو تغييره فهو مفروض من غيرها فتكون المادة قد احتاجت من يضع لها هذه القوانين فاحتاجت إلى غيرها، فهي محتاجة، ومحتاجة إلى غيرها فهي مخلوقة، وهذا معناه اعتراف بأن العالم مخلوق، أي أن القول بالشرطية يترتب عليه الاعتراف بأن العالم مخلوق لخالق. وأيضاً لما كان كون العالم محتاجاً وعاجزاً عن إيجاد ما احتاج إليه أمراً قطعياً وكان البرهان عليه مسكتاً لا يترك جواباً عند أحد فقد يلجأ بعضهم إلى القول أن كون العالم مخلوقاً لا يعني أن هناك خالقاً فإن كون الوجود كله لا يخرج عن خالق ومخلوق فرض نظري، فلا يصح أن يكون برهاناً على وجود الخالق. لذلك كان لا بد من بيان أن كون الوجود لا يخرج عن خالق ومخلوق ليس فرضية وإنما هي حقيقة قطعية، لأن البرهان قام على أن العالم مخلوق لخالق، فيكون قد قام على وجود خالق لهذه المخلوقات، وبذلك كان البرهان برهاناً على أن الوجود لا يخرج عن خالق ومخلوق. ولذلك كله لا بد من لفت النظر إلى هذه الأمور الثلاثة.