فهرس الكتاب
ثالثها: أن ما قيل عن محدودية الكون وأزليته، أي ما قيل عن كون الكون محدوداً وليس أزلياً، ليس مبنياً على التعاريف وليس بحثاً لغوياً ولا هو بيان لقاموسية الكلمة. وإنما هو شرح لواقع محسوس. فليست المحدودية والأزلية اصطلاحاً وضع له تعريف اصطلاحي، ولا مدلولاً لكلمة وضع لها من اللغة لفظ يدل عليها، وإنما واقع معين كالبحث في الفكر سواء بسواء. فنحن حين نقول إن الكون محدود إنما نشير إلى واقع معين وهو كونه له بداية وله نهاية، فالبحث في هذا الواقع وليس في كلمة محدود. وكونه له بداية وله نهاية قد قام البرهان الحسي عليها، فيكون البرهان على واقع معين لا على معنى الكلمة لغوياً. أي أنه حين يقال أن الكون مجموع أجرام مهما تعددت، فالكون يتكون من هذه الأجرام، وكل جرم منها مهما بلغ عددها محدود، ومجموع المحدودات محدود بداهة فالكون محدود، حين يقال ذلك لا يقام البرهان على كلمة محدود، وإنما يقام البرهان على أن الكون له أول وله آخر، فيبتديء من نقطة وينتهي إلى نقطة. هذا الواقع هو الذي قام البرهان عليه، هذا الواقع سواء قيل عنه كلمة محدود في العربية أو قيل غيرها في الإنجليزية أو الفرنسية أو الروسية أو الألمانية هو الذي قام البرهان عليه، ولذلك كان القول بالمحدودية للكون وإقامة البرهان عليه ليس مبنياً على تعاريف ولا بحثاً لغوياً، ولا بياناً لقاموسية الكلمة، وإنما هو بيان لواقع وإقامة البرهان على واقع. وكذلك القول بأن الكون ليس أزلياً، وأن الأشياء المدركة المحسوسة ليست أزلية، ليس مبنياً على تعاريف، وليس بحثاً لغوياً ولا هو بيان لقاموسية الكلمة بل هو بيان لواقع، وإقامة البرهان على واقع. وكذلك القول بأن هذا أزلي ليس بياناً لكلمة الأزلي بوصفها لفظة، بل هو بيان لواقع، وإقامة البرهان على واقع، فهو بيان لما لا أول له، أي لما ليس له نقطة ابتدأ منها. هذا الواقع هو الأزلي. فالبحث إنما هو في هذا الواقع والبرهان إنما هو على أساس هذا الواقع، سواء قيل عنه كلمة أزلي بالعربية، أو قيل عنه غيرها بالإنجليزية والفرنسية والروسية والألمانية، فالكلام ليس في مدلول الكلمة اللغوي وإنما هو في واقع معين لا يختلف باختلاف التعابير التي تطلق عليه في اللغات. فإذا قيل أن المحدود ليس أزلياً لأن له أولاً والأزلي لا أول له لأن مدلول الأزلي أن لا أول له، إذا قيل ذلك لا يقال لشرح المدلول اللغوي للكلمة حتى يكون تعريفاً أو بحثاً لغوياً أو بياناً لقاموسية الكلمة، وإنما يقال ذلك لبيان واقع معين وهو الشيء الذي لا أول له. فواقع المحدود هو أن له أولاً وأن له آخراً، وواقع الأزلي هو ما ليس له أول، فيكون واقع المحدود غير واقع الأزلي. وهذا هو معنى قولنا أن المحدود ليس أزلياً، فيكون الكلام عن واقع معين لا عن مدلول الكلمة لغوياً.