فهرس الكتاب

الصفحة 17182 من 27364

قد يقال إن معنى الشيء مرتبطاً بالآخر بصورة متقابلة وأحدهما شرط للآخر معناه أنه محتاج إليه، فهذه الأشياء التي تكتنف الحادث أو الشيء لا يستغني عنها الشيء فهو محتاج إليها، وهذا يعني أن الاحتياج هو نفس الاشتراط أي هو نفس مفهوم الشرطية الماركسية. والجواب على ذلك هو أن هذا ليس المراد من الشرطية وإن كان يترتب على القول بالشرطية القول بالاحتياج. أي أن الشيوعيين لم يقولوا بأن كل شيء محتاج للآخر بل قالوا أن كل شيء مرتبط بالآخر بصورة متقابلة فهو شرط له وأرادوا إثبات تأثير الأشياء ببعضها ولم يريدوا احتياج الأشياء لبعضها ولكن يترتب على قولهم هذا القول بالاحتياج وليس قولهم هذا هو الاحتياج. أي أن الاحتياج يترتب على هذا القول فهو ينتج عنه وليس هو نفس القول. وهذا يمكن أن يتخذ دليلاً على الشيوعيين بأن الحوادث والأشياء في الطبيعة ليست أزلية لأن ارتباطها ببعضها بصورة متقابلة بحيث يكون أحدها شرطاً للآخر يعني أن كل واحد منها محتاج فكل واحد منها ليس أزلياً لأنه محتاج، لأن الأزلي مستغن عن غيره إذ لا أول له، فإذا احتاج كان له أول أي يوجد غيره قبله فلا يكون أزلياً فتكون الشرطية الماركسية دليلاً على أن الحوادث والأشياء في الطبيعة ليست أزلية لأنها محتاجة باعترافهم والمحتاج لا يمكن أن يكون أزلياً. وبهذا يظهر أن مفهوم الشرطية الماركسية غير مفهوم الاحتياج، ولكن يترتب على القول بالاشتراط أي بالشرطية الماركسية أن كل شيء في العالم محتاج وهذا يعني أنه ليس أزلياً قطعاً.

وما دامت الماركسية تسلّم بأن كل شيء في الطبيعة محتاج وذلك بقولها بالشرطية، فإنه لا يبقى لإثبات كون الأشياء مخلوقة لخالق سوى إثبات أن احتياجها إنما هو لغيرها وليس لنفسها فحسب. فالاعتراف بكونها محتاجة اعتراف بأنها ليست أزلية فهو اعتراف بأنها مخلوقة ولا يبقى إلا إثبات أنها محتاجة لغيرها فيثبت أنها مخلوقة لخالق غيرها. واثبات ذلك في منتهى البساطة، فإن الأشياء حين احتاجت لبعضها أو على حد تعبيرهم حين كان الشيء مرتبطاً بغيره بصورة متقابلة وكان أحدهما شرطاً للآخر إنما كان ذلك وفق قوانين معينة ونسب معينة بحيث لا يؤثر أحدهما في الآخر إلا وفق هذه القوانين أو هذه النسب، ولا يمكن أن يخرج أي منهما عن هذه القوانين أو النسب فهي مفروضة عليهما فرضاً. وهذه القوانين ليست منهما ولا من أحدهما، إذ لو كانت من أحدهما لاستطاع أن يخرج عنها وان يغيرها، ولو كانت منهما لكانا قادرين باجتماعهما أن يخرجا عنها ويغيراها. ولكن الواقع أنهما خاضعان لها ومجبوران على السير بحسبها ويستحيل عليهما الخروج عنها أو تغييرها، فدل على أن غيرهما قد فرض عليهما هذه النسبة وفرض عليهما أن يسيرا بحسبها، فهما إذن محتاجان إلى غيرهما، أي أن الأشياء المدركة المحسوسة محتاجة إلى غيرها. فالماء حتى يتحول إلى بخار يحتاج إلى نسبة معينة من الحرارة، وهذه النسبة ليست من الماء ولا من الحرارة، وإلا استطاع كل مهما أن يوجدها كما يشاء أو استطاعا معاً أن يوجداها كما يشاءان، ولما فرضت عليهما فرضاً. لكن الواقع أنه يستحيل عليهما الخروج على هذه النسبة فهي مفروضة عليهما فرضاً. فكونها مفروضة عليهما فرضاً معناه أنها جاءت من غيرهما. فيكون الماء والحرارة احتاج كل منهما واحتاجا معاً إلى هذه النسبة حتى يوجد منهما بخار، واحتاجا لمن يوجد لهما هذه النسبة حتى يتأتى توليد البخار، وهكذا جميع الأشياء المدركة المحسوسة محتاجة إلى غيرها، وهذا يعني أنها مخلوقة لخالق غيرها. وهذا برهان مسكت، فإن كون الأشياء في مجموعها وكل شيء بمفرده محتاجاً إلى نسبة معينة أو وضع معين حتى يتشكل أو يحدث أي شيء أو يحدث فيه أي تغيير، أمر قطعي بالحس والمشاهدة ويسلم فيه جميع الناس. وكون هذه النسبة المعينة أو الوضع المعين لم يأت من الأشياء نفسها وإنما أتى من غيرها كذلك أمر قطعي بالحس والمشاهدة. وهذا يعني أن الأشياء في مجموعها وكل شيء بمفرده قد ثبت لها وصف الاحتياج لغيرها ثبوتاً قطعياً بالبرهان الحسي، وبذلك يكون قد ثبت أن الأشياء المدركة المحسوسة محتاجة لغيرها قطعاً. وما دام قد ثبت أنها محتاجة لغيرها فإنه بذلك يكون قد ثبت أنها مخلوقة لخالق. لأن كونها محتاجة معناه أنها ليست أزلية، لأن الأزلي يستحيل أن يكون محتاجاً، إذ مجرد الاحتياج ينفي عنه الأزلية، وما دامت ليست أزلية فهي مخلوقة لخالق، فيكون قد ترتب على قول الماركسية بالشرطية في الطبيعة القول بأن الطبيعة محتاجة إلى غيرها، وهذا يعني أنها مخلوقة لخالق، وهو يعني أن القول بالشرطية يترتب عليه حتماً الاعتراف بوجود الخالق. وأنه وإن كان القول بأن جميع ما في العالم من أشياء وحوادث مرتبط بعضها ببعض ارتباطاً لا ينفصم قول خاطيء لأن هناك أشياء في الطبيعة مرتبطة بأشياء وغير مرتبطة بغيرها وهنا حوادث مرتبطة بحوادث وأشياء وغير مرتبطة بحوادث وأشياء غيرها، ولكن كون كل شيء محتاجاً هو أمر قطعي، واثبات صفة الاحتياج إليه كاف لإثبات أنه ليس أزلياً فهو مخلوق لخالق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت