فهرس الكتاب
أحدها: أن القول بأن الوجود لا يخرج عن خالق ومخلوق ليس فرضية وإنما هو حقيقة قطعية. لأن الكلام ليس متناولاً لهذا القول باعتباره فرضاً، وجرى ترتيب البرهان على هذا الفرض، وإنما تناول الكلام الأشياء المدركة المحسوسة، وأقام البرهان الحسي على أنها مخلوقة لخالق، فأدرك إدراكاً حسياً وجود مخلوقات لخالق، فتوصل بالبرهان الحسي إلى هذا القول فكان القول نتيجة البرهان وليس فرضاً. أي أننا لم نقل بما أن الوجود لا يخرج عن خالق ومخلوق، وبما أنه ثبت أن المدرك المحسوس مخلوق فيكون غير المدرك المحسوس هو الخالق. أي لم نقم الفرضية أولاً ورتبنا عليها البرهان حتى يحتاج إلى إثبات الفرضية ليصح البرهان، وإنما وضعنا الأشياء المدركة المحسوسة موضع البحث، فلفتنا النظر إلى أنها موجودة قطعاً وهو أمر مشاهد ملموس، وأقمنا البرهان على أنها محتاجة قطعاً، وهذا يعني أنها محتاجة إلى من يوجدها فهي مخلوقة. فالبرهان قام على أن الأشياء المدركة المحسوسة مخلوقة. أي ترتب على حقيقة قطعية لا على فرضية. وبذلك ثبت بشكل قطعي وجود المخلوق، وهذا يثبت وجود الخالق. لأن هذا المخلوق إما أن يكون مخلوقاً لنفسه أو مخلوقاً لغيره ولا وثالث لهما قطعاً وهذا ليس فرضاً وإنما الواقع المحسوس للمخلوق يدل عليه. أما كونه مخلوقاً لنفسه فباطل، لأنه يكون مخلوقاً لنفسه وخالقاً لنفسه في آن واحد وهذا باطل، فلا بد أن يكون مخلوقاً لغيره، وهذا الغير هو الخالق. وبهذا ثبت وجود خالق، أي أن إثبات كون الأشياء المدركة المحسوسة مخلوقة لخالق وأن هذا الخالق هو غيرها يثبت وجود الخالق. وبناء على هذا الإثبات بالبرهان الحسي لوجود المخلوق ولوجود الخالق وأنه غير المخلوق أدركت الحقيقة القطعية وهي أن الوجود لا يخرج عن خالق ومخلوق. ولذلك لم يكن هذا القول فرضاً وإنما هو حقيقة قطعية ثبتت بالبرهان الحسي القاطع.
ثانيها: أن مفهوم الاحتياج في الأشياء المدركة المحسوسة هو غير مفهوم الشرطية الماركسية، لأن الشرطية الماركسية تعني أن كل شيء تكتنفه شروط من حوادث وأشياء تحيط به، ولا يمكن فصل الشيء عما يحيط به. فأي حادث من حوادث الطبيعة لا يمكن فهمه إذا نظر إليه منفرداً أي بمعزل عن الحوادث المحيطة به إذ أن أي حادث في أي ميدان من ميادين الطبيعة يمكن أن ينقلب إلى عبث فارغ لا معنى له إذا نظر إليه بمعزل عن الشروط التي تكتنفه، وإذا فصل عن هذه الشروط. فأي حادث من حوادث الطبيعة يجب أن ينظر إليه كما تحدده وتكيفه الحوادث المحيطة به. فالشرطية عندهم ارتباط الأشياء بعضها ببعض ارتباطاً لا ينفصم بحيث تكون جميعها وكل واحد منها شرطاً في وجود ما تكتنفه وفي إنتاجه وفي إدراك حقيقته. أي أن كل حوادث الطبيعة يكيف بعضها البعض الآخر بصورة متبادلة وهذا معنى كونها شروطاً، أي هذا هو معنى الشرطية. فهي شرح لارتباط الأشياء بعضها ببعض بحيث يتأثر أحدها بالآخر ويؤثر فيه وليس شرحاً لمعنى الاحتياج، وما يترتب عليه ليس هو ما يترتب على الاحتياج، فإن ما يترتب عليه هو أنه إذا كانت الأشياء في الطبيعة مرتبطاً بعضها ببعض بصورة متقابلة وأحدها شرط للآخر فإنه لا يحكم على النظام إلا ببناء هذا الحكم على أساس الظروف التي ولدت هذا النظام، ولا يمكن الحكم على شيء إلا على أساس ما يحيط بذلك الشيء، ولكن إذا كانت الأشياء في الطبيعة منفصل بعضها عن بعض فإنه يمكن فهم النظام دون أي نظر للظروف أي دون أي نظر للمكان والزمان. فمفهوم الاشتراط أو الشرطية الماركسية مفهوم يتعلق بارتباط الأشياء بعضها ببعض وليس باحتياج الأشياء. ولذلك كان مفهوم الاحتياج غير مفهوم الشرطية الماركسية لأن مفهوم الاحتياج متعلق بعدم الاستغناء، ومفهوم الاشتراط متعلق بعدم فصل الأشياء بعضها عن بعض.