فهرس الكتاب

الصفحة 17180 من 27364

وأيضاً فإن الأشياء التي يدركها العقل هي الإنسان والحياة والكون، وهذه الأشياء محدودة، فهي مخلوقة. فالإنسان محدود، لأنه ينمو في كل شيء إلى حد ما لا يتجاوزه فهو محدود، ولأن الإنسان جنس متمثل في كل فرد من أفراده. فكل فرد إنسان، ولا يوجد أي فرق بين فرد وفرد في الخواص الإنسانية، فما يصدق على فرد من الإنسان يصدق على الآخر، كأي جنس من الأجناس كالذهب في قطعه الصافية، وكالأسد في الحيوان، وكحبة التفاح في جنسها من الفواكه.. وهكذا. فالجنس أي جنس ينطبق عليه كله ما ينطبق على كل فرد من أفراده، وأبسط ما يشاهد أن الفرد يموت، وأن الإنسان يموت، فجنس الإنسان قطعاً يموت. وهذا يعني أن هذا الجنس محدود قطعاً. ومجرد التسليم بأن الإنسان يموت معناه التسليم بأن الإنسان محدود. ولا يقال إن الإنسان الفرد هو الذي يموت ولكن جنس الإنسان لا يموت بدليل أنه في كل عصر يموت الملايين ومع ذلك فإن في العصر الذي بعده بدل أن يفنى الإنسان مع الزمن نراه بالمشاهدة يكثر، فهو إذن لا يموت كجنس بل يموت كفرد. لا يقال ذلك لأن جنس الإنسان ليس مركباً من مجموع أفراد حتى يقال أن الفرد يموت والمجموع لا يموت، فيوصل من ذلك إلى أن الجنس لا يموت. بل الإنسان هو ماهية معينة تتمثل في أفراد تمثلاً كلياً دون فرق بين فرد وفرد، وذلك كالماء وكالبترول وكالقمح وككل جنس. ولذلك فإن الحكم عليه لا يجوز أن ينصب على مجموعة، لأن جنسه ليس مركباً من مجموعة، وإنما الحكم عليه ينصب على ماهيته، أي على جنسه، فما يصدق على الماهية في فرد يصدق على الجنس كله مهما تعددت أفراده. وبما أن الماهية متحققة كلها في الفرد الواحد وفي كل فرد، والفرد الواحد يموت، معناه جنس الإنسان يموت. أما المشاهدة فإنه لا يجوز أن تحكم لأنها مشاهدة لغير المطلوب البرهان عليه، فهي مشاهدة للمجموع وهو غير الجنس، فهي فوق كونها مشاهدة ناقصة لا تحكم لأنها ليست الجنس. ألا ترى أن المياه في البحار لا تنفذ مهما أخذت منها، وهذا يعني أنها ليست محدودة، وأن البترول لا ينفذ مهما أخذت منه، وهذا يعني أنه ليس محدوداً وألا ترى أن القمح يتزايد مع الاستهلاك الكثير منه. فإذا نظرنا إلى مجموعه معناه لا ينفذ، مع أن الواقع أن جنسه ينفذ، ومعناه أنه ينفذ. وجنس الإنسان المتمثل في الفرد الواحد يموت، معناه أن جنس الإنسان من حيث هو يموت، وعليه فإن الإنسان محدود.

والحياة محدودة لأن مظهرها فردي فقط، والمشاهد بالحس أنها تنتهي في الفرد فهي محدودة. إذ الحياة في الإنسان هي عين الحياة في الحيوان، وهي ليست خارج هذا الفرد بل فيه، وهي شيء يحس وإن كان لا يلمس، ويفرق بالحس بين الحي والميت. فهذا الشيء المحسوس، والذي هو موجود في الكائن الحي، والذي من مظاهره النمو والحركة، هو ممثل كلياً وجزئياً في الفرد الواحد لا يرتبط بأي شيء غيره مطلقاً. وهو في كل فرد من أفراد الأحياء كالفرد الآخر سواء بسواء. فهو جنس متمثل بأفراد كالإنسان، وما دامت تنتهي هذه الحياة في الفرد الواحد فمعناه أن جنس الحياة ينتهي، فهي محدودة.

والكون محدود، لأنه مجموع أجرام، وكل جرم منها محدود، ومجموع المحدودات محدود بداهة. وذلك لأن كل جرم منها له أول وله آخر، فمهما تعددت هذه الأجرام فإنها تظل تنتهي بمحدود. فالمحدودية ليست بعدد الأجرام، بل هي بكون لها أول ولها آخر، بل تثبت بمجرد وجود الأول. ومجرد أن قيل أكثر من واحد يحتم حينئذ المحدودية، لأن الذي يزيد شيء محدود فتظل الزيادة حاصلة بمحدود لمحدود، فيظل الجميع محدوداً. وعليه فالكون محدود. وعلى ذلك فالإنسان والحياة والكون محدودة قطعاً.

وحين ننظر إلى المحدود نجده ليس أزلياً، وإلا لما كان محدوداً، لأن هذا المدرك المحسوس إما أن يكون له أول فيكون ليس أزلياً وإما أن يكون لا أول له فيكون أزلياً. وثبت أن المحدود له أول فلا يكون أزلياً، لأن مدلول الأزلي أن لا أول له. وما لا أول له لا آخر له قطعاً، لأن وجود آخر يقتضي وجود أول، لأن مجرد البدء لا يكون إلا من نقطة، وهذا يعني أن النهاية لا بد منها ما دام قد حصل البدء من نقطة، سواء أكان ذلك في الزمان أم المكان أم الأشياء أم غير ذلك. وهذا حتمي في الحسيات، وكذلك حتمي في المعقولات، لأن المعقولات هي حسيات في الأصل، وما لم تكن حسيات لا تكون معقولات. وعليه فكل ما له أول له آخر. فمدلول الأزلي أنه لا أول له ولا آخر له، فهو غير محدود. فالمحدود ليس أزلياً. فكون الكون والحياة والإنسان محدودة معناه ليست أزلية وإلا لما كانت محدودة. وما دامت ليست أزلية فهي مخلوقة لغيرها. فالكون والإنسان والحياة لا بد أن تكون مخلوقة لغيرها. وهذا الغير هو خالقها، أي هو خالق الكون والحياة والإنسان. وعليه فإن العالم مخلوق لخالق، مخلوق للأزلي، مخلوق لله تعالى. فالعالم لا يتطور من ذاته تبعاً لقوانين حركة المادة بل هو محتاج قطعاً، وهو محدود قطعاً، وهو ليس بأزلي قطعاً، فهو إذن مخلوق للأزلي. وهذا الأزلي هو مدلول كلمة الله، أي هو الله تعالى.

(ولا بد أن يلفت النظر إلى ثلاثة أمور(

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت