فهرس الكتاب
ولا يقال أن كون الكوكب مسيراً في مدار معين هو خاصية ناتجة عن اجتماع الكواكب مع بعضها في جسم واحد وهو جزء لا يتجزأ من هذا الجسم، فنتج عن اجتماعها خاصية كون السير في مدار معين، كالأيدروجين وحده له خاصية، والأكسجين وحده له خاصية، فإذا اجتمعا معاً صارت لهما خاصية أخرى، وكذلك الكواكب. لا يقال ذلك لأن الأيدروجين والأكسجين حين اجتمعا كونا جسماً آخر فصارت له خاصية أخرى، فهي خاصية جسم لا خصية وجودهما في الكون، بخلاف الكواكب. فإن الكوكبين أو الكواكب لم تكن لكل منهما خاصية وهو منفرد، ثم صارت له خاصية بالاجتماع في جسم واحد، بل ظلت هذه الخاصة خاصية لكل كوكب بمفرده خاصية له وحده، ولم يجتمعا ويكونا جسماً واحداً قط. ولذلك تكون الخاصية للكوكب ولا تكون لاجتماع كوكبين أو لاجتماع الكواكب في جسم واحد، لان الاجتماع الذي يشكل جسماً آخر لم يحصل.
وأما الحياة فإن احتياجها إلى الماء وإلى الهواء ملموس ومحسوس. وأما الإنسان فإن احتياجه إلى الحياة، ثم إلى الطعام وغير ذلك ملموس محسوس. وعليه فإن الكون والحياة والإنسان محتاجة قطعاً.
ولا يقال إن ما في الكون من أشياء احتاجت لبعضها هي أشكال لشيء واحد فهي كلها مادة تشكلت بأشكال مختلفة، ولكنها في الحقيقة شيء واحد هو المادة. فالمادة احتاجت لنفسها ولم تحتج إلى غيرها فهي غير محتاجة. لا يقال ذلك لأن المادة حتى تتشكل بأشكال مختلفة لا تستطيع أن تتشكل إلا بنسبة معينة مفروضة عليها فرضاً من غيرها. فالماء حتى يتحول إلى بخار يحتاج إلى نسبة معينة حتى يتحول، والبيضة حتى تتحول إلى كتكوت تحتاج إلى نسبة معينة من الحرارة، وهكذا. فتشكل المادة لا يمكن إلا بنسبة معينة ووضع معين. وهذه النسبة أو هذا الوضع ليس من المادة وإلا لاستطاعت أن توجدها كما تشاء ولما فرضت عليها. فكونها مفروضة عليها فرضاً معناه أنها جاءت من غيرها فهي محتاجة إلى هذه النسبة أو هذا الوضع حتى يتم التشكل، ومحتاجة إلى من يوجد لها هذه النسبة حتى يتم التشكل. وعليه فهي محتاجة إلى غيرها، أي ثبت لها وصف الاحتياج لغيرها.
ومدلول كلمة محتاج يعني أنه مخلوق، لأن مجرد حاجته تعني أنه عاجز عن إيجاد شيء ما من العدم، أي عاجز عن إيجاد ما احتاج إليه فهو ليس خالقاً، وما دام ليس خالقاً فهو مخلوق. لأن الوجود كله لا يخرج عن خالق ومخلوق، ولا ثالث لهما. وأيضاً فإن المحتاج لا يمكن أن يكون أزلياً، لأن مدلول كلمة أزلي تعني أن لا يستند إلى شيء، لأنه إذا كان في تصرفه وتحوله يحتاج إلى غيره يكون احتياجه لغيره في وجوده من باب أولى. ولأنه لو احتاج في وجوده إلى غيره لكان ذلك الغير موجوداً قبله فلا يكون أزلياً. فمدلول الأزلي أنه لا يستند إلى شيء، ولا يحتاج إلى شيء. وما دام المحتاج ليس أزلياً فهو مخلوق قطعاً. وعلى هذا فكون الأشياء المدركة المحسوسة محتاجة أمر قطعي، وهذا يعني أن كونها مخلوقة لخالق أمر قطعي أيضاً. وعلى هذا فإن العالم محتاج، وهو مخلوق لخالق.
وهذا الخالق لا بد أن يكون غير مخلوق، ولا بد أن يكون أزلياً. أما كونه غير مخلوق فلأنه لو كان مخلوقاً لما كان خالقاً، لأنه لا يوجد إلا خالق ومخلوق، وهما شيئان متباينان، فأحدهما غير الآخر قطعاً، ولذلك فإن من صفات الخالق كونه غير مخلوق، فما ليس بمخلوق هو الخالق. ولا يقال أنه خالق لشيء ومخلوق لشيء آخر، لأنه ليس البحث عن شيء معين كالإنسان أو الآلة، بل البحث عن المخلوق من حيث هو مخلوق لا عن مخلوق معين، وعن الخالق من حيث وصفه بالإيجاد من عدم، فلا يكون الشيء خالقاً ومخلوقاً في وقت واحد. فالخالق هو ما سوى المخلوقات.
وأما كونه أزلياً أي لا أول له فلأنه إذا كان له أول كان مخلوقاً، إذ قد بديء وجوده من حد معين، فكونه خالقاً يقضي بأن يكون أزلياً. إذ الأزلي تستند إليه الأشياء ولا يستند إلى شيء. وهذا الأزلي الخالق هو مدلول كلمة الله، أي هو الله تعالى.