فهرس الكتاب

الصفحة 17178 من 27364

ولا يقال إن الأشياء المدركة المحسوسة احتاجت لبعضها، ولكنها في مجموعها مستغنية عن غيرها، لا يقال ذلك لأن الحاجة إنما تبين وتوضح للشيء الواحد، وتلمس لمساً ولا تفرض فرضاً نظرياً لشيء غير موجود فيفرض وجوده، فلا يقال إن النار احتاجت لجسم فيه قابلية الاحتراق، فلو اجتمعا معاً لاستغنيا ولم يحتاجا إلى غيرهما، لأن هذا فرض نظري. فالحاجة للنار وللجسم القابل للاحتراق هي حاجة لشيء موجود حساً، محسوس بإحدى الحواس، أو مدرك عقلاً، وهو بالطبع مما يقع الحس على مدلوله حتى يتأتى إدراكه عقلاً، فالحاجة لشيء موجود. والنار والجسم لا يوجد من اجتماعهما شيء يحصل فيه الاستغناء أو الحاجة. وكذلك الأشياء التي في الكون لا يحصل من اجتماعها شيء يحصل فيه الاستغناء أو الحاجة. فالحاجة والاستغناء متمثلة في الجسم الواحد، ولا يوجد شيء يتكون من مجموع ما في الكون حتى يوصف بأنه مستغن أو محتاج. فإذا قيل أن مجموع الأشياء التي في الكون مستغن أو محتاج، فإنه يكون وصفاً لشيء متخيل الوجود، لا لشيء موجود. والبرهان يقوم على حاجة شيء معين موجود في الكون، لا مجموعة أشياء يتخيل لها اجتماع يتكوَّن منه شيء ويعطى له وصف الحاجة أو الاستغناء. ولذلك لا يرد هذا السؤال لأنه سؤال فرضي تخيلي، وليس هو واقعياً، حتى ولا فرضاً نظرياً.

ولا يقال أن الأشياء احتاجت لبعضها، فلا يكون دليلاً على أنها محتاجة لخالق، فإن البرهان على إثبات مجرد الاحتياج، لا الاحتياج إلى خالق. فمجرد وجود الاحتياج في كل شيء يثبت الاحتياج في كل شيء.

ولا يقال أن كل جزء محتاج إلى جزء آخر، فالأجزاء جميعها محتاج بعضها لبعض، فالثابت هو أن كل شيء محتاج إلى شيء آخر وهذا لا يثبت أن الأشياء محتاجة مطلقاً. لا يقال ذلك لأن احتياج الشيء، ولو إلى شيء واحد في الدنيا، يثبت أنه لا يوجد في الكون شيء يستغني الاستغناء المطلق. يعني أنه محتاج ولو لشيء واحد في الوجود، أي يثبت له وصف الاحتياج. كمن يمشي خطوة واحدة، فقد ثبت له وصف المشي، وكمن يتكلم كلمة واحدة ثبت له وصف التكلم. فالاحتياج والمشي والتكلم، وغير ذلك مما يدل على الجنس، أي مما يدل على الماهية، فإن ثبوت المرة الواحدة فيه يثبت الوصف لماهيته. فمجرد ثبوت الاحتياج إلى شيء واحد، والاحتياج مما يدل على الجنس، أي على الماهية، يثبت وصف الاحتياج لكل شيء في الكون، ولذلك فإن احتياج كل جزء إلى جزء آخر يثبت له قطعاً وصف الاحتياج.

وهذا كله ملموس محسوس بالنسبة إلى جميع الأشياء الموجودة على سطح الأرض، أما بالنسبة للكون والإنسان والحياة فإن الكون مجموعة أجرام، وكل جرم منها يسير بنظام مخصوص لا يملك أن يغيره. وهذا النظام إما أن يكون جزءاً منه، أو خاصة من خواصه، أو شيئاً آخر غيره، ولا يمكن أن يكون غير واحد من هذه الثلاثة مطلقاً. أما كونه جزءاً منه فباطل، لأن سير الكواكب يكون في مدار معين لا يتعداه، والمدار كالطريق هو غير السائر. والنظام الذي يسير به ليس مجرد سيره فقط، بل تقييده بالسير في هذا المدار. ولذلك لا يمكن أن يكون هذا النظام جزءاً منه. وأيضاً فإن السير نفسه ليس جزءاً من ماهية الكوكب، بل هو عمل له، ولذلك لا يمكن أن يكون جزءاً منه. وأما كونه خاصية من خواصه فباطل، لأن النظام ليس هو سير الكوكب فحسب، بل سيره في مدار معين. فالموضوع ليس السير وحده، بل السير في وضع معين. فهو ليس كالرؤية في العين من خواصها، بل هو كون الرؤية في العين لا تكون إلا بوضع مخصوص. ومثل كون تحول الماء من ماء إلى بخار لا يتأتى إلا بنسبة معينة. فالموضوع ليس سير الكوكب، أو رؤية العين، أو تحول الماء، بل الموضوع هو سير الكوكب في مدار مخصوص، ورؤية العين في أحوال مخصوصة، وتحول الماء بنسبة معينة. هذا الوضع المفروض على الكوكب، وعلى العين، وعلى الماء، هو النظام. وهو، وإن كان السير من خواصه، فإن كون السير لا يكون إلا بوضع معين ليس من خواصه، وإلا لكان من خواصه أن ينظم سير نفسه، وحينئذ يستطيع أن ينظم نظاماً آخر ما دام من خواصه التنظيم، والواقع أنه لا يستطيع ذلك، ولهذا لا يمكن أن يكون من خواصه. وما دام ليس جزءاً منه، وليس من خواصه، فهو غيره قطعاً. فيكون قد احتاج إلى غيره، أي احتاج الكون إلى النظام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت