فهرس الكتاب
أثر اليهود في نشر الفكر الشيوعي في البلاد العربية الإسلامية: إن اليهود بدأوا منذ القرن التاسع عشر - على الخصوص - في التطلع والتخطيط لإقامة كيان صهيوني في فلسطين.
وقد كانوا يعلمون جيداً أن ليس بإمكانهم أن يطأوا أرض فلسطين بأقدامهم وأن يقر لهم فيها قرار إلا في حالة ضعف المسلمين وتخلفهم، كما كانوا يدركون أن الإسلام هو السر الحقيقي لقوة المسلمين ونهوضهم.
ولذلك أقدموا بما لديهم من هيمنة على وسائل الإعلام المختلفة على نشر الفكر الشيوعي وتمويل وتأسيس الأحزاب الشيوعية في البلاد العربية، ونشر الإلحاد وغير ذلك من المفاهيم العلمانية المادية التي تدعو المسلمين إلى فصل الدين على الدولة، وعن الحياة والتحلل من الأخلاق والقيم الإنسانية.
وكان ذلك تحت ستار الشعارات الخادعة المضللة، فتغلغلت تلك الأفكار في عقول كثير من الشباب الذين فقدوا التوجيه الصحيح والفهم العميق المستنير للإسلام لأسباب داخلية أهمها غياب الإسلام عن الساحة كنظام حضاري ومنهج حياة شامل، ولأسباب خارجية أهمها الغزو الشيوعي الصهيوني والصليبي للعالم الإسلامي، واستيراد أساليب وأنظمة ظاهرها التقدمية والتحرر، وباطنها الاستلاب والاحتواء والجمود.
فقد جرب المنتسبون إلى الإسلام مختلف الأنظمة الوضعية من ليبرالية واشتراكية فلم تزدهم إلا بلة وجموداً وتأخراً وتبعية للغير.
علماً بأن الظروف التي مرت بها أوربا وجعلتها تكره الدين - بمفهومه الكنسي المحرّف الضيق الانتهازي - هي ظروف ليست موجودة في الإسلام، ولله الحمد.
وقد استغل الشيوعيون اليهود وعلى رأسهم ماركس معركة الدين والعلم، والدين والدولة في أوربا للتمويه والمغالطة وتعميم الأحكام بالقول أن الدين أفيون الشعوب -أي الدين عامة - وأنه يتعارض مع النظر العقلي، وهي شبهة لها مجالها الحقيقي في واقع الكنيسة والفكر الغربي، بينما لا نجد لها أي أثر في الإسلام والفكر الإسلامي.
إن الكنيسة في غرب أوربا حرّفت الدين المنزل من عند الله، ونشرت الأوهام والخرافات بين الناس، وابتزت الأموال بغير حق، ووقفت في وجه الحركة العلمية وحجّرت الفكر.
ولاشك أن هذه المواقف الكنسية السلبية باسم الدين أعطت له مفهوماً مظلماً قاتماً ظل يعيش في أعماق الفكر الأوربي في العصر الحديث.
هذا علاوة على أن التحريف الذي وضعه الفكر الغربي للدين لا يمكن أن ينطبق على الإسلام؛ فرجل الدين في الغرب يوصف بأنه لا يصلح لفهم أمور الحياة والتدخل في شؤون الدولة بسبب انقطاعه عن صحبة الناس في الأديرة والكنائس، إذ أن الكنيسة في الأصل تركت القوانين والأوضاع التي كانت تسود الإمبراطورية الرومانية تتحكم في شؤون الناس.
أما الإسلام بمفهومه الصحيح المستمد من الكتاب والسنة - لا بمفهوم المنافقين الذين يرفعون شعار الإسلام، لكن في آن واحد يجزئونه ويشوهونه تبعاً لأهوائهم ومصالحهم الخاصة - فقد أقام العدل والمساواة بين الناس؛ لا فرق في ذلك بين حاكم ومحكوم في الحقوق والواجبات، وأمر بالشورى وحرية التعبير في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشجع العلم، وحرر الإنسان من رق التقليد الأعمى وربّاه على حرية الفكر والاستقلال في الإرادة مع التقيد بالدليل؛ فهي حرية فكرية تقوم على قواعد النظر والاستدلال بعيداً عن الأهواء والأوهام.
ولم يقف أمام الحضارة والعلم والمدنية معارضاً أو مناهضاً كما فعلت الكنيسة في العصور الوسطى، بل كان باعثاً للانطلاقة العلمية التي أدت إلى ابتكار المسلمين للمنهج العلمي التجريبي.
وهذا المنهج التجريبي هو الذي تسلمته أوربا من المسلمين عن طريق الأندلس وصقلية والشام وأقامت عليه مدنيتها الحديثة وعلاوة على هذا فإن الإسلام لا يقتصر على الشعائر التعبدية -كما هو الأمر عند الكنيسة- بل هو منهج كامل للحياة الإنسانية؛ إذ إن معنى الإسلام: الاستسلام والانقياد والخضوع لله والتزام حكمه في كل شؤون الحياة، أي بمعنى إسلام النفس كلها لله حيث تكون أفكار الإنسان ومشاعره وسلوكه العملي كلها محكومة بالدستور الذي أقره الله.
فالسلطة التشريعية حق لله - سبحانه وتعالى - لا يجوز أن يشاركه فيها أحد، ومدار الإسلام على ذلك كله، قال - تعالى: (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [النساء: 55] ، وقال - تعالى: (ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ) [المائدة: 44] .
وقال - جل وعلا: (إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ) [يوسف: 40] إلى غير ذلك من التقريرات الكثيرة الواردة في القرآن الكريم.