فهرس الكتاب
أما (المنظمة الشيوعية) فقد عالجت في أواخر عام 1948م النزاع العربي الإسرائيلي في مقال افتتاحي نشرته صحيفة (صوت البروليتاريا) في عددها الثالث، فقالت: في 15 مايو (أيار) 1948م غزت! جيوش البلاد العربية فلسطين، هناك حرب قائمة في الشرق الأوسط منذ ستبعة شهور، ولكننا إذا درسنا هذه الحرب بتعمق لوجدنا أنها ليست سوى حرب عنصرية، لقد أملى الاستعمار البريطاني هذه الحرب وأعد لها منذ سنين طويلة ليدافع عن مركزه في الشرق الأوسط، إن هذه الحرب هي واحدة من مصادر الحرائق الكثيرة التي تشعلها الرجعية العالمية، وذلك بهدف خلق ترسانات من بعض المناطق التي يريدون استخدامها كنقط للهجوم ضد الاتحاد السوفييتي، وأخيراً فإن هذه الحرب موجهة اليوم ضد الخطر الذي تمثله البروليتاريا الثورية في فلسطين (تعني إسرائيل) (23) .
إن في هذه العبارات من التمويه والمغالطة ما لا تخفى؛ فالاستعمار البريطاني لم يتدخل في الشرق الأوسط إلا لمصلحة إسرائيل، فهو الذي أصدر وعد بلفور، وفتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وخطط بكل ما يملك من وسائل بتنسيق مع الصهيونية العالمية لإقامة الكيان اليهودي في فلسطين المحتلة، ولسنا ندري أي رجعية عالمية يعني هؤلاء، وقوى الغرب والشرق، اليمين واليسار، أمريكا والاتحاد السوفييتي وأوروبا جمعاء كانت في صف إسرائيل في مؤامرة عالمية استهدفت الوجود العربي الإسلامي في فلسطين.
ذلك كان مجمل مواقف الأحزاب الشيوعية العربية من موضوع فلسطين وإسرائيل، وقد حرصت هذه الأحزاب أن تظل منسجمة مع مواقف الاتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة وموافقته على قرار التقسيم.
فكيف يرجى أن تحرر هذه الأحزاب المجتمعات العربية الإسلامية من تركة الجهل والذلة اللذين ورثتهما من الاستعمار الصليبي، وكرسهما شرذمة من الحكام المستبدين الذين بذلوا ولاءهم ومنحوا تأييدهم للغرب؟!.
وكيف يؤمل أن تنهض هذه الأحزاب بالأمة، وهي التي ارتمت في أحضان يهود الشرق، وسلمت لهم مقاليد أمورها بتنفيذ تعليماتهم وخططهم الموجهة لمناصرة إسرائيل؟!، وصدق الشاعر العربي في هذا الصنف من الناس:
ونشحذ من يهود الشرق عدلاً...كمن تَخِذَ الغراب له دليلا
أليس من المخجل زرع استعمار جديد في قلب العالم الإسلامي، وهو الاستعمار الصهيوني ـ العدو اللدود للمسلمين ـ الذي ما فتئ يضع ـ بتنسيق مع الصليبيين ـ كل العراقيل والعقبات التي تحول دون تقدم البلاد الإسلامية ونهضتها.
إن السياسة الشيوعية والسياسة الصهيونية في الساحة العربية، وما يحدث من تنسيق بينهما: تعتبران من أشد أنواع السياسات مكراً وتآمراً، وإن الاتحاد السوفييتي بمنظومته الحزبية العربية كان طرفاً في تلك المؤامرة الدنيئة التي أتاحت للمتاجرين بالقضية الفلسطينية أن يتقدموا للزعامة والقيادة، وفي الثورة الفلسطينية أوضح مثال على هذا؛ فعندما تراجع المسلمون وتخاذلوا دُفعت بعض القيادات العلمانية إلى السطح، وانضوى تحت ألويتهم أبناء المسلمين المخدوعين، وتاجر عرفات و جورج حبش و نايف حواتمه... وغيرهم بدمائهم وبنوا على جماجمهم مجداً أثيلاً.
إن اليهود بدؤوا منذ القرن التاسع عشر ـ على الخصوص ـ في التطلع والتخطيط لإقامة كيان صهيوني في فلسطين، وقد كانوا يعلمون جيداً أن ليس بإمكانهم أن يطؤوا أرض فلسطين بأقدامهم وأن يقر لهم قرار فيها إلا في حالة ضعف المسلمين وتخلفهم، كما كانوا يدركون أن الإسلام هو السر الحقيقي لقوة المسلمين ونهوضهم؛ ولذلك أقدموا بما لديهم من مكر وخداع وهيمنة على وسائل الإعلام المختلفة على نشر الفكر الشيوعي، وتمويل الأحزاب الشيوعية وتأسيسها في البلاد العربية، ونشر الإلحاد.. وغير ذلك من المفاهيم العلمانية المادية التي تدعو المسلمين إلى فصل الدين عن الدولة وعن الحياة، والتحلل من الأخلاق والقيم الإنسانية.
وقد كان ذلك تحت ستار الشعارات الخادعة المضللة؛ فتغلغلت تلك الأفكار في عقول كثير من الشباب المضللين الذين فقدوا التوجيه الصحيح والفهم العميق للإسلام لأسباب داخلية أهمها: غياب الإسلام عن الساحة كنظام حضاري ومنهج حياة شامل، ولأسباب خارجية أهمها: الغزو الشيوعي الصهيوني والصليبي للعالم الإسلامي، واستيراد أساليب وأنظمة ظاهرها التقدم والتحرر، وباطنها الاستلاب والاحتواء والجمود، فقد جرب المنتسبون إلى الإسلام مختلف الأنظمة الوضعية ـ من ليبرالية واشتراكية ـ فلم تزدهم إلا ذلة وجموداً وتأخراً وتبعية للغير، علماً بأن الظروف التي مرّت بها أوروبا وجعلتها تكره الدين ـ بمفهومه الكنسي المحرف الضيق ـ هي ظروف ليست موجودة في الإسلام (ولله الحمد) .