بدأ أعداء اللّه في ذلك، وكعادتهم لابد من استخدام غيرهم لتنفيذ مآربهم - نظراً لقلتهم وتشرذمهم ونظرتهم للأمميين بأنهم عبيد لهم - فعمدوا إلى أوروبا التي أصبحت الصديق الحميم لليهود - بل العصا التي يضربون بها من شاؤوا متى شاؤوا -عمدوا إليها لتنفيذ مؤامراتهم مع مايتبع ذلك من مصالح ظاهرة لهؤلاء الصليبيين في حرب المسلمين.
بدأت المؤامرة بتقطيع أوصال الخلافة الإسلامية أولاً؛ لغرض إضعافها ثم تطويقها لإسقاطها؛ فبدأت الدول العربية بسلسلة من الحروب الاستعمارية - بل الاستدمارية - التي ( بلغت ذروتها في القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجريين"التاسع عشر والعشرين الميلاديين"على النحو التالي اقتساماً بين الدولتين الأعظم - في ذلك الحين - فرنسا وإنجلترا) (5) .
( أ ) فرنسا. قامت باحتلال الجزائر عام (1246ه - 1830م) ، ثم احتلال تونس عام (1299ه - 1881م) ، ثم احتلت مراكش عام (1330ه - 1912م) ، ثم احتلال سورية ولبنان عام (1338ه-1920م) .
(ب ) إنجلترا . قامت باحتلال الهند المسلمة عام (1274ه-1857م) ، ثم احتلت مصر عام (1300ه - 1882م) ، لتستولي على العراق عام (1332ه - 1914م) ، ثم فلسطين عام (1337ه - 1918م) .
(ج ) .وقبلها كانت غارات الأسطول البرتغالي على السواحل الإسلامية وأعقبها في أوائل القرن السابع عشر الميلادي استيلاء هولندا على جزر الهند الشرقية .
( د ) .احتلال ايطاليا للصومال وأرتريا سنة (1887م) ثم لليبيا سنة (1911م) ، ولقد اشتهر الاحتلال الإيطالي بغبائه ونزقه، وشراسته وتهوره .
(ه ) .وقد صحب التبشير والاستشراق ذلك الغزو الفكري وبقي مابقي من الاحتلال، بل وبعد أن رحل الاحتلال ، كذلك ظهر"الاستغلال الاقتصادي"واضحاً إبان فترات الاحتلال العسكري، بما يشير إلى بروز ذلك الهدف كأحد الأهداف الرئيسة .
هدم الخلافة الإسلامية:
(لابد من أن تسقط الخلافة الإسلامية قبل أن تقوم دولة إسرائيل ذلك ما تنبأ به"نيلوس"بعد أن اطلع على"بروتوكولات حكماء صهيون"، وذلك سنة(1319ه-1901م) ، ولابد أن يقطع الشجرة أحد أعضائها كما أوصى بذلك أحد مؤتمرات التبشير (6) ، ولكن كيف لذلك أن يتم؟
لقد استخدم اليهود في خططهم لهدم الخلافة القوى التالية (7) :
( أ ) يهود الدونمة (المرتدون) . وهم الذين تظاهروا بالإسلام بعد وصولهم من أسبانيا وتجمعهم في (سيلانيك) ... وحملوا أسماء إسلامية، ووصلوا إلى أعلى مناصب الدولة؛ مما سهل عليهم مهمة التخريب والتمهيد للقضاء على الخلافة، ومن أشهر يهود الدونمة قبل مصطفى كمال، (مدحت باشا) الذي أصبح صدراً أعظم، وتنقل في حكم ولايات عثمانية عديدة منها سورية، ثم دبّر مؤامرة خلع السلطان عبدالعزيز (1861م - 1876م) ومؤامرة اغتياله بعد ستة أيام من خلعه ، وهو ابن حاخام مجري .
(ب ) الصليبية الغربية الحاقدة على الإسلام والمسلمين؛ إذ تحالفت القوى الصليبية في دول عديدة هي: بلغاريا ، ورومانيا، والنمسا ، وفرنسا، وروسيا ، واليونان، وإيطاليا؛ لمحاربة الدولة العثمانية وحرمانها من الهدوء والاستقرار والتفرغ للبناء، وقد أدى الضغط الصليبي المستمر إلى تضييق رقعة الإسلام في أوروبا ، كما أدى إلى تقطيع أوصال السلطة التي كانت تمتد من تركيا شمالاً إلى حضرموت جنوباً، ومن إيران شرقاً إلى طنجة غرباً ، فضاعت الجزائر ثم مصر ومن بعدها تونس وليبيا والمغرب على ما بينا.
(ج ) الدعاية الفاجرة التي صورت الحكم في عاصمة الخلافة أبشع تصوير. ودعاية اليهود ماهرة في قلب الحقائق وإبراز المساوئ وطمس المحاسن. ونجحت تلك الدعاية في أوروبا وفي العالم بأسره، حتى غدا من الأمور المسلم بها، أن المسلمين الأتراك متوحشون قساة، يرتعون في الفساد والانحلال، وحين أُبرزت قسوة الأتراك، وطمست وحشية البلغار واليونان والفرنسيين والإنجليز والروس، وصورت الدعاية اليهودية مدحت باشا اليهودي الماكر بطلاً من أبطال العالم وسمته (أبو الأحرار) ، وسخرت صحف أوروبا وإذاعاتها لتمجيد مدحت باشا حامل لواء الإصلاح والحرية في السلطنة العثمانية ، وهو في حقيقة أمره يهودي متآمر على الإسلام والمسلمين .
( د ) الجمعيات السرية وبخاصة الماسونية؛ التي جندت قواها لخدمة اليهود وهدم الخلافة الإسلامية، واستخدم اليهود محافل الماسون في فرنسا وإيطاليا لنشر الدعاية الكاذبة ضد الخلفاء وبخاصة عبدالحميد الثاني الذي كان عدواً للماسون، ونجح يهود الدونمة بمساعدة محافل الماسون في تكوين جمعية (تركيا الفتاة) التي كان مدحت باشا أول مؤسسيها، وتفرع عن تركيا الفتاة حزب أوجمعية أسموها"الاتحاد والترقي"حملت شعار:الحرية والإخاء والمساواة الذي نقلته عن باريس.