فهرس الكتاب
يرى أصحاب المذهب الفردي أن التربية يجب أن تنطلق من الفرد وتنتهي بالمجتمع , وعليها أن تساعد الأفراد للتحرر من القيود التي فرضها عليهم المجتمع .
إنهم يرون أن الأفراد يتسترون خلف قناعات زائفة تخفي حقيقتهم الأساسية , هذه القناعات الزائفة هي القيم التي يفرضها المجتمع عليهم , وهم في الواقع يؤمنون بأشياء أخرى غيرها , فلابد إذن أن تساعدهم التربية على إخراج القيم النابعة من داخلهم , وتحطيم القيود المفروضة عليهم من خارجهم , وبذلك يتعامل الأفراد مع بعضهم طبقاً لرغباتهم الفطرية المتحررة من القيود التي نسجتها اتجاهات المجتمع وقيوده (11) .
المطلب الرابع: نقد المذهب الفردي .
1-أول نقد يوجه للمذهب الفردي أنه اهتم بجانب من الإنسان - بغض النظر عن كيفية الاهتمام - وأهمل جانباً آخر , وبالتالي فلن يتوازن الإنسان , ويكتمل نموه , فهو قد أهمل الجانب الجماعي في الإنسان , وهو حاجة ورغبة ملحة فيه.ففي الإنسان هذه الطبيعة المزدوجة: الميل إلى الفردية , والميل إلى الجماعية,وكلاهما أصيل فيه,فلابد من العناية بهما معاً,وإلا حصل الاضطراب في باطن النفس,وفي واقع الحياة (12) .
2-لقد وسعوا في دائرة الفردية حتى خرجوا بالإنسان إلى الأنانية المرذولة , وساهموا في تفكيك المجتمع , وتشتيت طاقات (13) .
3-اعتبارهم المجتمع مفروض على الفرد خطأ , لأن المجتمع ناشئ من داخل كيان الفرد , ناشئ من رغبته في الاجتماع بالآخرين , ونقصد بالمجتمع: المجتمع الطبيعي الذي ينشأ من تلاقي الأفراد , لا نقصد به المجتمع المنحرف , وهم كذلك لا يقصدونه , وإنما يقصدون أي مجتمع هو مفروض على الفرد , معوِّق لنموه , والصحيح بأنه ما هو إلا تكملة طبيعية للفرد , وامتداد طبيعي يجد فيه الفرد وجوده المتكامل السليم (14) .
4-إن خروج الأفراد على تقاليد المجتمع الصحيحة دون رادع,وتنازل المجتمع عن تقاليده تلك نتيجة الحتمية:انهيار المجتمع بكارثة تصيبه من الداخل أو الخارج,وتؤدي في النهاية إلى حرمان أولئك الأفراد أنفسهم مما كانوا غارقين فيه من المتاع المباح (15) .
5-إن المذهب الفردي ينفي عن الإنسان كل هدف أبعد من هدف المصلحة المباشرة القريبة , وينفي عن الإنسان عنصر التطلع إلى ما هو أبعد من الذات (16) .
المبحث الثاني: المذهب الجماعي .
المطلب الأول: حقيقة المذهب الجماعي
يقصد بالجماعية: ميل الإنسان إلى العيش في الجماعة , والتعايش معها (17) .
يرى أصحاب المذهب الجماعي أن الإنسان جماعي النزعة , وأن الواجب على الفرد أن يغمس نفسه في المجتمع , ويفنى فيه من أجل صالح المجموع .
ويرون أن الوجود المستقل للأفراد عن الجماعة وهم من الأوهام (18) .
ويبالغ أصحاب المذهب الجماعي في إبراز كيان المجتمع حتى يجعلون منه كياناً مقدساً , والفرد لا قداسة له ولا كيان , ولا يحق له أن يملك , ولا يحق له أن يصوغ أفكاره وعقائده وأخلاقه وتقاليده . لا يحق له أن يعترض على عمل المجتمع , أو يصفه بأنه خطأ أو صواب . إنهم في الحقيقة يؤلهون المجتمع , ومن يصنع ما يحلو له , ويجعلون الفرد عبداً خاضعاً له (19) .
وقد قام المذهب الجماعي لعدة أسباب أهمها:
-1- رد فعل للمذهب الفردي الرأسمالي .
يقول سيد - رحمه الله -:"إنه جموح جديد ينشأ من رد فعل لجموح قديم , وداء جديد تعالج به البشرية من داء قديم . وتحطيم لخصائص الإنسانية في جانب لإنقاذه تحطم خصائصه الأساسية في جانب آخر" (20) .
-2- ولأنهم يرون أن الذات الإنسانية محدودة بالزمان والمكان , بخلاف الجماعة , وأن الفرد إنما وجد من أجل نفع الجماعة , ولذلك فالقوى الاجتماعية هي التي تشكل الفرد من أوله لآخره , وليس لكيان الفرد الداخلي أي دور (21) .
المطلب الثاني: أبرز روَّاد المذهب الجماعي .
1-يعتبر هيجل من أول من دعا للمذهب الجماعي , ونادى بأن يكون الأفراد تروساً نافعة في أجهزة المجتمع المعقد , وأن يفنوا فيه من أجل صالح المجموع .
2-وقد قام ماركس بهذا المذهب بكل قوة , ودعا المجتمع أن يكبت بوحشية الذاتية الفردية بمساعدة الذاتية الجماعية , حتى يثور الإنسان ضد ضميره الأخلاقي , وضد الحقيقة والعدل , وضد رب الوجود (22) .
3-وكذلك يرى هذا المذهب عالم الاجتماع"دوركايم", ويقول بأن المجتمع قوة قائمة بذاتها, غير نابعة من كيان الأفراد, ومؤثرة في الأفراد بإرادة مستقلة عن إرادتهم (23) .
4-وقد قامت الشيوعية في الشرق على هذا الأساس , فوسعت في دائرة الجماعة ( الدولة ) , وحجرت على نشاط الأفراد إلاَّ فيما يتعلق بالنشاطات الحسية الغليظة , ومنعت مشاركتهم الفعلية في سياسة الحكم وسياسة المجتمع , وفرضت عليهم النظم بدعوى أنها أعرف منهم بمصالحهم (24) .
المطلب الثالث: فلسفة التربية الحديثة في المذهب الجماعي .
يرى أصحاب المذهب الجماعي - دوركايم وأمثاله - أن وظيفة التربية هي نقل الثقافة الاجتماعية إلى الفرد الناشئ . فالتربية تبدأ بالمجتمع وتنتهي بالفرد .