فهرس الكتاب

الصفحة 17408 من 27364

يرى أصحاب المذهب الفردي أن التربية يجب أن تنطلق من الفرد وتنتهي بالمجتمع , وعليها أن تساعد الأفراد للتحرر من القيود التي فرضها عليهم المجتمع .

إنهم يرون أن الأفراد يتسترون خلف قناعات زائفة تخفي حقيقتهم الأساسية , هذه القناعات الزائفة هي القيم التي يفرضها المجتمع عليهم , وهم في الواقع يؤمنون بأشياء أخرى غيرها , فلابد إذن أن تساعدهم التربية على إخراج القيم النابعة من داخلهم , وتحطيم القيود المفروضة عليهم من خارجهم , وبذلك يتعامل الأفراد مع بعضهم طبقاً لرغباتهم الفطرية المتحررة من القيود التي نسجتها اتجاهات المجتمع وقيوده (11) .

المطلب الرابع: نقد المذهب الفردي .

1-أول نقد يوجه للمذهب الفردي أنه اهتم بجانب من الإنسان - بغض النظر عن كيفية الاهتمام - وأهمل جانباً آخر , وبالتالي فلن يتوازن الإنسان , ويكتمل نموه , فهو قد أهمل الجانب الجماعي في الإنسان , وهو حاجة ورغبة ملحة فيه.ففي الإنسان هذه الطبيعة المزدوجة: الميل إلى الفردية , والميل إلى الجماعية,وكلاهما أصيل فيه,فلابد من العناية بهما معاً,وإلا حصل الاضطراب في باطن النفس,وفي واقع الحياة (12) .

2-لقد وسعوا في دائرة الفردية حتى خرجوا بالإنسان إلى الأنانية المرذولة , وساهموا في تفكيك المجتمع , وتشتيت طاقات (13) .

3-اعتبارهم المجتمع مفروض على الفرد خطأ , لأن المجتمع ناشئ من داخل كيان الفرد , ناشئ من رغبته في الاجتماع بالآخرين , ونقصد بالمجتمع: المجتمع الطبيعي الذي ينشأ من تلاقي الأفراد , لا نقصد به المجتمع المنحرف , وهم كذلك لا يقصدونه , وإنما يقصدون أي مجتمع هو مفروض على الفرد , معوِّق لنموه , والصحيح بأنه ما هو إلا تكملة طبيعية للفرد , وامتداد طبيعي يجد فيه الفرد وجوده المتكامل السليم (14) .

4-إن خروج الأفراد على تقاليد المجتمع الصحيحة دون رادع,وتنازل المجتمع عن تقاليده تلك نتيجة الحتمية:انهيار المجتمع بكارثة تصيبه من الداخل أو الخارج,وتؤدي في النهاية إلى حرمان أولئك الأفراد أنفسهم مما كانوا غارقين فيه من المتاع المباح (15) .

5-إن المذهب الفردي ينفي عن الإنسان كل هدف أبعد من هدف المصلحة المباشرة القريبة , وينفي عن الإنسان عنصر التطلع إلى ما هو أبعد من الذات (16) .

المبحث الثاني: المذهب الجماعي .

المطلب الأول: حقيقة المذهب الجماعي

يقصد بالجماعية: ميل الإنسان إلى العيش في الجماعة , والتعايش معها (17) .

يرى أصحاب المذهب الجماعي أن الإنسان جماعي النزعة , وأن الواجب على الفرد أن يغمس نفسه في المجتمع , ويفنى فيه من أجل صالح المجموع .

ويرون أن الوجود المستقل للأفراد عن الجماعة وهم من الأوهام (18) .

ويبالغ أصحاب المذهب الجماعي في إبراز كيان المجتمع حتى يجعلون منه كياناً مقدساً , والفرد لا قداسة له ولا كيان , ولا يحق له أن يملك , ولا يحق له أن يصوغ أفكاره وعقائده وأخلاقه وتقاليده . لا يحق له أن يعترض على عمل المجتمع , أو يصفه بأنه خطأ أو صواب . إنهم في الحقيقة يؤلهون المجتمع , ومن يصنع ما يحلو له , ويجعلون الفرد عبداً خاضعاً له (19) .

وقد قام المذهب الجماعي لعدة أسباب أهمها:

-1- رد فعل للمذهب الفردي الرأسمالي .

يقول سيد - رحمه الله -:"إنه جموح جديد ينشأ من رد فعل لجموح قديم , وداء جديد تعالج به البشرية من داء قديم . وتحطيم لخصائص الإنسانية في جانب لإنقاذه تحطم خصائصه الأساسية في جانب آخر" (20) .

-2- ولأنهم يرون أن الذات الإنسانية محدودة بالزمان والمكان , بخلاف الجماعة , وأن الفرد إنما وجد من أجل نفع الجماعة , ولذلك فالقوى الاجتماعية هي التي تشكل الفرد من أوله لآخره , وليس لكيان الفرد الداخلي أي دور (21) .

المطلب الثاني: أبرز روَّاد المذهب الجماعي .

1-يعتبر هيجل من أول من دعا للمذهب الجماعي , ونادى بأن يكون الأفراد تروساً نافعة في أجهزة المجتمع المعقد , وأن يفنوا فيه من أجل صالح المجموع .

2-وقد قام ماركس بهذا المذهب بكل قوة , ودعا المجتمع أن يكبت بوحشية الذاتية الفردية بمساعدة الذاتية الجماعية , حتى يثور الإنسان ضد ضميره الأخلاقي , وضد الحقيقة والعدل , وضد رب الوجود (22) .

3-وكذلك يرى هذا المذهب عالم الاجتماع"دوركايم", ويقول بأن المجتمع قوة قائمة بذاتها, غير نابعة من كيان الأفراد, ومؤثرة في الأفراد بإرادة مستقلة عن إرادتهم (23) .

4-وقد قامت الشيوعية في الشرق على هذا الأساس , فوسعت في دائرة الجماعة ( الدولة ) , وحجرت على نشاط الأفراد إلاَّ فيما يتعلق بالنشاطات الحسية الغليظة , ومنعت مشاركتهم الفعلية في سياسة الحكم وسياسة المجتمع , وفرضت عليهم النظم بدعوى أنها أعرف منهم بمصالحهم (24) .

المطلب الثالث: فلسفة التربية الحديثة في المذهب الجماعي .

يرى أصحاب المذهب الجماعي - دوركايم وأمثاله - أن وظيفة التربية هي نقل الثقافة الاجتماعية إلى الفرد الناشئ . فالتربية تبدأ بالمجتمع وتنتهي بالفرد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت