فهرس الكتاب
إنهم يرون أن الحياة الحقيقية النافعة تكون بقيام المجتمع وتوثيق روابطه , وبالتالي فالمجتمع يحتل عندهم المكانة الأولى ثم يأتي بعده الفرد , فوظيفة التربية يجب أن تكون منصبة في تطوير الروح الجماعية عند الأفراد . فمحور أهداف التربية في المذهب الجماعي هو المجتمع وليس الفرد .كذلك يرى أصحاب المذهب الجماعي أن مسئولية التربية تقع على الدولة , والتي عليها أن تعد المعلمين والمدارس إعداداً مناسباً للقيام بالوظيفة بالشكل الذي ترغب به الدولة (25) .
يهتم أصحاب المذهب الجماعي في تربيتهم للأفراد بتقديم معلومات محددة مناسبة للعمل والوظيفة التي يقوم بها أولئك الأفراد . ويهتمون بقضية التعويد على الإذعان والخضوع للسلطة , ويرن أنها من أهم مقومات نجاح الفرد , فالتربية للعمل في المصانع , لا تتطلب عمالاً يناقشون في الصواب والخطأ والحقوق والواجبات . ولذلك فإن علاقة المعلم بتلاميذه , والمدير بمعلميه علاقة تنفيذية , قائمة على السلطة والتعليمات , وإصدار الأوامر , وتنفيذ القرارات , مثل التربية العسكرية التي تجفف إرادة الفرد , وتجعله ينفذ الأوامر دون تساؤل أو تفكير (26) .
المطلب الرابع: نقد المذهب الجماعي
1-يقوم المذهب الجماعي بالاهتمام بجانب من الإنسان - بغض النظر عن كيفية - وإهمال جانب آخر فيه , وهو الجانب الفردي , وبالتالي يختل كيان الإنسان , ويفقد سعادته (27) .
2-إن معاملة الفرد على أنه حركة لا إرادية في أيدي المجتمع الشديدة إنكار للعلاقة الفردية بين العبد وربه , وهي علاقة فطرية ضرورية للإنسان , لا صلاح للفرد بدونها , والعبد مسئول فرداً يوم القيامة عن أعماله , ولذلك فليس هو ملك للمجتمع يصرفه كيفما يشاء , بل له القدرة والاختيار في أعماله وأقواله (28) .
3-إن اعتبار الجماعة أسمى من الأفراد خطأ, وإنما خلقت الجماعة كقوة تكميلية للأفراد (29)
4-إن المذهب الجماعي يقضي على تميز الأفراد , ولا ينشئ إلا مجتمعاً مستضعفاً خانعاً , لأن أفراده أصفاراً لا وجود واقعي لهم , ليس لديهم القدرة على رفع ظلم عن مظلوم , لا بكلمة ولا بفعل , طالما أن المجتمع أراد ذلك.أي:الحاكم والسلطان على الحقيقة (30) .
5-إن الواقع المحسوس يرد على المذهب الجماعي كما يرد على المذهب الفردي وهو أن كل فرد هو في ذات الوقت كائن مستقل , وعضو في جماعة , ولا تكاد توجد لحظة واحدة ولا فكرة ولا عمل يمكن أن يزاوله الفرد بإحدى صفتيه دون الأخرى , وإن بدا في ظاهر الأمر أن هذا مستطاع (31) .
المبحث الثالث: المذهب التلفيقي
المطلب الأول: حقيقة المذهب التلفيقي
يراد بالمذهب التلفيقي: المذهب القائم على وجود انفصام بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية عند الإنسان , وعلى وجود صراع بين الفرد والمجتمع , فيلفِّق مذهباً فردياً ولا جماعياً , وإنما مذهباً نفعياً قائماً على استغلال تبادل العلاقة بينهما إلى أقصى حد .
يرى أصحاب المذهب التلفيقي أن أساس الخطأ عند المذهب الفردي وعند المذهب الجماعي هو الفصل بين الفرد والمجتمع , ووضع مصلحة كل واحد منهما ضد مصلحة الآخر , وأن أياً منهما لا يحقق وجوده إلا بالتغلب على الآخر , فهم يوافقونهم على وجود الانفصام لكن يخالفونهم في طريقة العلاج , فالمعالجة عندهم تكون على وفق ما يحقق المصلحة والمنفعة للجميع (32)
المطلب الثاني: أبرز روَّاد المذهب التلفيقي:
يعتبر جون ديوي من أبرز دعاة هذا المذهب (33) ,فديوي يعتقد بوجود تأثير كبير للبيئة والمجتمع في أفكار الناس ومعتقداتهم وميولهم (34) , ويرى في الوقت ذاته أن للفرد قدرة كبيرة في تغيير نظم المجتمع بما يوافق مصلحته . فمذهب ديوي كما هو معروف قائم على النفعية , وقد يسمى بالذرائعية , وهو محارب لكل شئ من شأنه أن يقف أمام الحرية الشخصية , أو يضع العقبات في سبيل التطور الاجتماعي , فهو يشجع كل مسعى يراد به تنظيم الهيئة الاجتماعية من جديد (35) .
المطلب الثالث: فلسفة التربية الحديثة في المذهب التلفيقي:
يرى ديوي أن الفلسفة بإمكانها معالجة انفصام العلاقة بين الفرد والمجتمع . وأن وظيفة التربية تقوم على استغلال تبادل العلاقة بينهما إلى أقصى حد .
ويرى أن الوسيلة لتحقيق هذا الهدف هو الذكاء الإنساني , المتضمن لقوة الملاحظة التي تمكن الفرد من تحديد المشكلات وتحليلها وتقييمها ثم حلها .
فيرى أن بالذكاء يمكن للفرد إعادة تقييم المهارات والعادات والتقاليد الاجتماعية , وتقرير النافع منها.
ويقرر بأن العقل لا ينمو من خلال فرد يطيع المجموع طاعة عمياء , ولا من خلال مجمع يصب الأفراد في قوالب محددة من السلوك ,وإنما ينمو من خلال الحوار وحرية الرأي التي تؤدي إلى إيجاد العقل الاجتماعي.
ويريد ديوي بالعقل الاجتماعي: المؤسسات الاجتماعية التي تفكر بمصلحة الجميع , وتحسين نوعية الفرد .