فهرس الكتاب
إذن فديوي يرى أن التربية واجب عليها أن لا تقيد الفرد أثناء تعليمه بقيود , بل توفر له الفرصة للتدرب على حل المشكلات , وتعطيه الفرصة ليتعلم بنفسه , ويتفهم آراء الآخرين , ومن هؤلاء الناضجين تتكون المؤسسات الاجتماعية والتي من شأنها أن تضع القرارات والقيود , وتشكل القيم التي توضع بعد ذلك ضوابط للأفراد (36) .
المطلب الرابع: نقد المذهب التلفيقي (37) :
1-يقوم المذهب التلفيقي على اعتقاد انفصام العلاقة بين النزعتين الفردية والجماعية عند الإنسان , وهذا خطأ أيضاً , فكما تقدم أن لكل نزعة دور مهم تقوم به في حياة الإنسان , وأن إعمال كل منهما في مجاله يؤدي لسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة .
2-يعتبر هذا المذهب متناقض مع نفسه , ففي الوقت الذي ينادي بوضع أهداف تربوية متمركزة حول إعداد الفرد , وجعل التلميذ سيِّد نفسه , يضع أهدافاً متمركزة حول المصالح الاقتصادية , ويطالب بتربية الطالب على الخضوع والانقياد لمتطلبات العمل في المؤسسات الصناعية .
فهو في الوقت الذي يدعو فيه إلى توسيع المعلومات لإعداد الفرد , يطالب بإعطاء الطالب معلومات محددة تعده للوظيفة المناسبة , وفي الوقت الذي يدعو فيه تربية الطالب على التأمل والتفكر , يربيه على الخضوع والإذعان للسلطة ولأصحاب العمل . وفي الوقت الذي يدرب فيه الطالب بأن يخطط مستقبله باستقلال ووعي , يدربونه على كيفية تقبل أي وظيفة تسند إليه .
ولذلك فقد احتار المربون الأمريكيون في هذه المشكلة , فمنهم من مال إلى أسلوب النعامة أي: دفن الرؤوس في الرمال , وتجاهل هذا التناقض , ومنهم من يرى بأن الحل لذلك أن بانفصال أهداف التربية , فأهداف تربية الفرد منفصلة عن أهداف المجتمع الصناعي .
3-ينتهي مذهب جون ديوي إلى خدمة المذهب الاقتصادي الرأسمالي فهو في حقيقته تربية ترويضية للناشئة على تقبل النظام الاقتصادي القائم , وتنفيذ سياساته , والدفاع عنه , معدم الانتباه لنقائصه , لأنه صادر عن العقل الاجتماعي , فهو صادر عن حرية الفرد , ولذلك تؤخذ المناهج والنظريات التي تدرس للطلاب عن طريق أصحاب العمل .
المبحث الرابع: المذهب الإسلامي في الفردية و الجماعية .
المطلب الأول: حقيقة المذهب الإسلامي في الفردية والجماعية .
إن سبب اختلاف المذاهب السابقة في الفردية والجماعية يعود إلى اختلاف تصوراتهم عن الطبيعة البشرية (38) ولقد هدى الله أهل الإسلام إلى الحق في ذلك بما علَّمهم في القرآن , وفي السنة , من بيان لحقيقة النفس البشرية , والطبيعة الآدمية , وأنها مخلوقة من قبضة من الطين,سرت فيها نفخة من روح الله,ولذلك فطبيعتها فيها المتضادات:الطين والروح,والحب والكره , والخوف والرجاء,..,وكذلك الفردية والجماعية (39) .
يرى أصحاب المذهب الإسلامي أن الفردية والجماعية من أخطر الخطوط في الطبيعة البشرية , وعليهما - في صورتهما الصحيحة أو المنحرفة - تقوم نظم الحياة كلِّها , صالحها أو فاسدها , وعلاقات الحياة كلها , سويها أو منحرفها , وسلوك الأفراد والجماعات (40) .
وتقوم نظريتهم على أساس الاهتمام بالنزعتين معاً , دون إغفال لإحداهما , أو المبالغة في تقدير واحدة منهما على حساب الأخرى (41) .
يقول محمد قطب:"ففي كل نفس سوية ميل للشعور بالفردية المتميزة , بالكيان الذاتي , وميل مقابل للاندماج في الجماعة والحياة معها وفي داخلها , ومن هذين الميلين معاً تتكون الحياة . ومن ثمَّ لا يكون الإنسان فرداً خالصاً , ولا يكون أيضاً جزءاً منبهماً في كيان المجموع" (42) .
ويقول:"لا تمر على الإنسان لحظة واحدة يكون فيها فرداً خالص الفردية قائماً بذاته . ولا تمر عليه لحظة واحدة يكون جزءاً من القطيع غير متميز الكيان , عملية مستحيلة, غير قابلة للتحقيق ."
في أشد اللحظات فردية يحمل الإنسان في قلبه مشاعر تربطه بالآخرين .
وفي أشد اللحظات جماعية يحس - بأنه على الأقل - هو الذي ينفذ رغبة الجماعة بذاته , بكيانه الفردي" (43) ."
المطلب الثاني: أبرز روَّاد المذهب الإسلامي .
مما لا شك فيه أن المذهب الإسلامي في الفردية والجماعية قد جاء واضحاً جلياً في القرآن والسنة , وقد تربى عليه جيل الصحابة والتابعين , ومن بعدهم . فقد جاء في القرآن بأن كل إنسان يحاسب على عمله فرداً , وجاء فيه الأمر بالتعاون مع المجتمع على البر والتقوى , وجاء فيه حث الإنسان أن لا يكون إمَّعة , فيسير مع المجتمع كيف سار , بل عليه أن يحسن إذا أحسنوا , ولا يسيء إذا أساءوا , وجاء فيه الحث على السمع والطاعة لولاة الأمر ما لم يأمروا بمعصية , فالسمع والطاعة إنما تكون في حدود الشرع , وهكذا .
وعندما ظهرت في العصور المتأخرة الرأسمالية متبنية للمذهب الفردي ,وظهرت الشيوعية متبنية المذهب الجماعي , قام مفكروا الإسلام يوضحون موقف الإسلام من الفردية والجماعية , فكان من أوائل من تصدى لهذا الموضوع: سيد قطب رحمه الله في كتابية: الإسلام ومشكلات الحضارة , والسلام العالمي والإسلام .