5-تكامل الطاقات والقدرات , وتحقيق الحاجات النفسية وللمجتمع .
ولمَّا كان للتربية الجماعية هذه الثمرات , فضلاً عن كون الحاجة للجماعة نزعة فطرية في الإنسان , فقد
اهتمت التربية الإسلامية بهذا الجانب اهتماماً عظيماً,ومن ذلك (50) :
1-الربط بين صحة العقيدة وبين حسن الخلق مع المجتمع .
فجعل الدليل على صحة عقيدة الإنسان حسن الخلق مع المجتمع , وجعل سوء الخلق مع الناس دليلاً على فساد العقيدة .
قال تعالى: ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ،وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) . فجعل الله من أخص صفات المكذبين بيوم القيامة , ممَّن فسدت عقائدهم: سوء أخلاقهم مع المجتمع , وخاصة ممن لا يرجون من ورائه نفعاً دنيوياً عاجلاً كاليتامى والمساكين . ومعنى ذلك أن من صحت عقيدته في الله وفي اليوم الآخر , فإنه يحسن خلقه مع المجتمع , سواء رأى مردود ثمرته في الدنيا أم لا , لأنه سيجده عند الله تعالى .
2-وضَّح الإسلام أن المقصود من تشريع العبادات إكساب الناس التقوى . ووضح أن التقوى هي حسن الخلق بقسميه: حسن الخلق مع الخالق , وحسن الخلق مع الناس .
فمن أدى العبادات , وساء خلقه مع الناس , فإن ذلك يدل على نقص تقواه , وأن عبادته ما أنتجت الثمرة المطلوبة منها .
ويدل على ذلك قصة المرأة صائمة النهار , قائمة الليل , ولكنها سليطة اللسان تؤذي جاراتها , أخبر عنها صلى الله عليه وسلم أنها في النار .
ويدل على ذلك حديث المفلس , الذي يأتي يوم القيامة بعبادات عظيمة ومتنوعة , ولكنه يأتي بسوء خلق مع المجتمع , فيتقاسم الغرماء حسناته , حتى إذا فنيت حسناته , أخذ من سيئاتهم فوضعت عليه , فطرح في النار .
3-حث الإسلام على التآخي في الله , وجعل لذلك منزلة رفيعة , وحسنات عظيمة .
4-حث الإسلام على أداء بعض الشعائر جماعة تأكيداً على الجماعة .
5-أمر الإسلام بلزوم الجماعة .
6-حض الإسلام على الشورى .
7-شرع الإسلام الزواج , ورتب على ذلك الأجور الكثيرة .
8-حث على السماحة في المعاملة من بيع وشراء ونحو ذلك .
9-نهى عن كل ما يضر بالمسلم من أقوال أو أعمال كالسخرية والاستهزاء , والكبر والخيلاء , والتناجي .
10-رتب على الأعمال الخيرية التي يقدمها الفرد للمسلمين أجوراً عظيماً , وفضلها على أداء النوافل من الصلوات .
الأساس الثالث: التوفيق بين الفردية والجماعية
هذا التوفيق بين الفردية والجماعية في الإنسان هو من أعظم مميزات التربية الإسلامية عن غيرها من مناهج التربية , ويقوم هذا التوفيق على المبادئ التالية (51) :
1-تأكيد الإسلام على أن العلاقة الفردية التي بين العبد وربه , لابد أن تبرز في الخارج في نظام اجتماعي عادل متحرر من كل أشكال التسلط والقهر .
2-جعل الإسلام في شرائعه من الأوامر والنواهي ما يحقق التوازن بين الفردية والجماعية , فإذا انضبط المسلم بالشرع حقق فرديته , وخدم مجتمعه , دون تجاوز من أحدهما على الآخر .
3-بدأ الإسلام في بناء المجتمع من خلال ضمائر الأفراد ووجدانهم , فغرس فيها بذر الحب والرحمة للمؤمنين , وجعل محبتهم من حقيقة الإيمان بالله , ومن الأمور الجالبة لسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة .
4-جعل الإسلام العلاقة بين أفراد المجتمع علاقة تكافلية , وأقام السلام على أساس مصلحة الفرد والمجتمع , على خلاف المذاهب الأرضية , فقد جعلت العلاقة بين أفرادها علاقة صراع وتنافس , وأقامت سلامها إما على مصلحة الفرد دون المجتمع,أو العكس .
5-جعل الإسلام قيماً منظمة لعلاقة الفرد بربه , وقيماً منظمة لعلاقة الفرد بنفسه, وقيماً منظمة لعلاقة الفرد بالآخرين , هذه القيم لو ربى المسلم نفسه عليها لأصبح نموذجاً فريداً , تشرأب الأنظار إليه , ولتكون من هؤلاء الأفراد مجتمعات سوية , ولعادت الأمة الإسلامية إلى مكانتها من القيادة والريادة , ولحلَّ السلام الحقيقي بالعالم أجمع .
الخاتمة
وفيها أبرز النتائج:
1-من أبرز الصفات في الإنسان التي تبدو في الظاهر متضادة متناقضة: إحساس الإنسان بفرديته , وإحساسه بالميل إلى الاجتماع بالآخرين .
2-انقسمت المذاهب الفلسفية تجاه الفردية والجماعية إلى ثلاثة أقسام , وكلها ترى أن العلاقة بينهما علاقة صراع وتضاد .
3-يقوم المذهب الفردي على تقديس الفرد , ويقوم المذهب الجماعي على تقديس المجتمع , ويحاول المذهب التلفيقي الجمع بينهما من ناحية المنفعة , فازداد التناقض والصراع عنده من ناحية التربية , فهو يربيه ليكون فرداً , وفي الوقت ذاته يفرض عليه آراء وقيود أرباب العمل دون قناعة منه بذلك , ويربيه على تقبلها دون تفكير.
4-يتبنى المذهب الفردي: الرأسمالية , وعلماء النفس الفردي , والوجوديون , وأصحاب المدرسة التحليلية من أتباع فرويد .
ويتبنى المذهب الجماعي: الشيوعية , ويعتبر هيجل وماركس ودوركايم من أبرز من دعا إليه .
ويتبنى المذهب التلفيقي: جون ديوي , وينتشر فكره حالياً في أمريكا .