فهرس الكتاب

الصفحة 17418 من 27364

والمثير للدهشة أن الجهد الحقيقي الوحيد الذي يمكن الإشارة إليه في ذه المرحلة ، كطرح لبديل إسلامي يواكب التيارات الجديدة ، كان في تفسير القرآن ونصوصه في ضوء التطورات العلمية الجديدة ، فقد اجتهد عدد من العلماء والباحثين ، لكي يقربوا معاني القرآن من الجيل الجديد المهووس بالاكتشافات العلمية والتقدم المذهل الذي وصل له الغرب عن طريق البحث العلمي ، فظهرت كتابات يمكن القول بأنها محاولة لرفع معنويات الإنسان المسلم المضطرب والقلق أمام هذه التطورات العلمية المتسارعة ، فكانت جهود الشيخ طنطاوي جوهري ، وكتابه"الجواهر"وهو محاولة لتفسير النص القرآني بما يتوافق مع النظريات العلمية الجديدة ، وكذلك كتابات الأستاذ محمد فريد وجدي ، والطريف أن فريد وجدي ـ على سبيل المثال ـ حاول تفسير سورة الفيل ، في ضوء العلم الجديد ، وكان الرجل قد تخيل أن العقل البشري في ضوء العلم الجديد والنزعة العقلية لن يسعه استيعاب أن حجرا يقذفه طائر على فيل فيحوله إلى"عصف مأكول"في لحظة ، فتأول الرجل ـ دفاعا عن القرآن ـ المسألة بالقول أن الآية مجرد دلالة رمزية على مرض مثل الطاعون ، أرسله الله فأهلك الأفيال وجيش أبرهة ، وليس القصد هو أن الطير قذف حجارة فدمرت الأفيال بهذا الشكل ، ولا شك في أن فريد وجدي لو عاش إلى أيامنا هذه لأدرك أن تأويله الغريب ليس له ما يبرره على الإطلاق ، لأن العلم الحديث نفسه اكتشف الآن أن حجرا"نوويا"يحمله طير أو طائرة ، لا يبيد فيلا فقط ، بل يبيد مدينة بكاملها ، وما عليها من بشر وشجر ونفس منفوسة . وجدير بالذكر هنا ، أن هذه النزعة ، وإن كانت قد أساءت من حيث أرادت الإصلاح ، إلا أنها كشفت لنا عن اتجاه جديد ، بدأ يتنامى مع الوقت في الفكر الإسلامي ، وهو اتجاه تأويل الإسلام ومعالمه بما يتوافق مع النظريات والأفكار الغربية الجديدة ذات السحر والحضور ، وكانت هذه من أخطر نقاط التحول في الفكر الإسلامي ، وكانت هذه الظاهر قد برزت في الخمسينات والستينات بوضوح ، من خلال الكتابات التي حاولت أن تقرب الإسلام من الفكر الاشتراكي، وتجعل الإسلام دينا اشتراكيا ، ويذكر القراء كتابا لأحد نبلاء الفكر الإسلامي ورجاله الكبار ، الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله"اشتراكية الإسلام"، وهي نزعة استغلها جيدا فريق جديد من اليسار العربي للإعلان عن توافق الاشتراكية والإسلام ، وأن الإسلام دين اشتراكي ، ويدعو إلى الاشتراكية ، وظهرت نزعة لتفسير الإسلام ونصوصه وشخصياته التاريخية وأحداثه بما يخدم الفكر الاشتراكي ، وقد تبلورت هذه النزعة في ظهور تيار"اليسار الإسلامي"في أوائل السبعينات ولكنه انزوى سريعا لأنه لم يكن يحمل أية مشروعية للحياة ، وكذلك انطفأت سريعا الكتابات التي تحدثت عن اشتراكية الإسلام للسبب نفسه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت