فهرس الكتاب

الصفحة 17419 من 27364

ومع السبعينات ، ظهرت حركة الإحياء الإسلامي الكبيرة في العالم الإسلامي ، وهي حركة مدهشة كانت لها امتدادات متوالية وعفوية في مختلف أنحاء العالم ، وكانت عفويتها هذه أهم أسباب عجز النظريات الاجتماعية المختلفة عن تفسير أسباب نشأتها ، وإذا كانت هذه الصحوة قد تفاعلت فيها أفكار متعددة ، وظهرت فيها كتابات متنوعة ، إلا أن هناك كتابات معينة هي التي طبعت هذه الصحوة بطابعها ـ النفسي على الأقل ـ وتركت بصمتها واضحة على أبناء ذلك الجيل ، وليس من شك في أن كتابات الأستاذ سيد قطب ، رحمه الله ، كانت النموذج الأوضح في ذلك المجال ، حيث تواكبت مع الروح الجديدة للصحوة الإسلامية ، وظهور انكسار واضمحلال الأفكار والإيديولوجيات التي كان لها صخب كبير على مدار نصف قرن ، وكان لها السلطة والصولجان ، فأتت كتابات سيد قطب المشبعة بروح الاستعلاء الإيماني الكبير على واقع الناس وتحولات الحياة ، بشرقيها وغربيها ، أتت لتمتزج مع روح هذه المرحلة ، وكان من نتائج هذا التحول ظهور نزعة مغايرة لتلك التي سادت في المراحل السابقة ، نزعة تحتقر الحضارة الغربية ، وتهون من أمرها ، وتطرح عوراتها ومثالبها بدلا من الانبهار بإنجازاتها ، واتجه الفكر الإسلامي ـ من ثم ـ للبحث عن معالم المفارقة مع هذه الحضارة بكل تجلياتها وإفرازاتها ، وليس عن أوجه الاتفاق معها ، وكانت هذه الروح الجديدة ضرورية للغاية لاستعادة الفكر الإسلامي لثقته في ذاته ودينه وتراثه ، ولكي ينفض عن كاهله ، بقوة ويقين وإصرار ، عوالق مراحل التيه والذهول والاضطراب التي عرفتها الأمة في عصرها الحديث ، ولكن بالمقابل كانت لهذه النزعة أخطارها وأخطاؤها ، إذ أنها، ككل موقف يقوم على رد الفعل ، غالت في الاستعلاء على الواقع ، والقطيعة معه، إلى الحد الذي حرمها من إمكانيات التواصل معه والتأسيس لمشروعها البديل الذي يحتوي هذا الواقع وينتقل به نقلة جديدة إلى الأمام ، وامتدت هذه القطيعة لتشمل كل معالم الواقع ، فلم يكن للحركة الإسلامية مشروعها السياسي أو مؤسساتها الاقتصادية ، أو نشاطها الأهلي ، أو حضورها الإعلامي ، أو غير ذلك من معاني الحضور وتجلياته ، الأمر الذي حرمها كثيرا من ريادة الفعل الاجتماعي والسياسي ، وجعل بعض فصائلها يتجه إلى ألوان من الرعونة السياسية عندما حاول أن يصرف"فائض القوة"لديه في عمل سياسي أو جماهيري .

ثم أتت المرحلة الأخيرة التي نعيشها الآن ، وهي المرحلة التي يمكن تحديد نشأتها ـ تقريبا ـ بأوائل الثمانينات ، والتي شهدت وما قبلها عددا من الأحداث الجسام ، منها قيام الثورة الإيرانية وما مثلته من عوامل جذب وتحريك لأشواق النصر عند الإسلاميين ، وكذلك حادث اغتيال الرئيس السادات في عملية مثيرة ، وكذلك في الصراع الدموي بين الحركة الإسلامية والنظام السوري ، هذه الأحداث دشنت مرحلة جديدة في العمل الإسلامي ، يمكن وصفها بمرحلة البحث عن المستقبل ، فبعد أن مر الفكر الإسلامي بمراحل الصدمة والذهول ، ثم مرحلة البحث عن مواءمة مع الفكر الغربي ، ثم مرحلة الاستعلاء وإثبات التميز ، بدأت المرحلة التي لا بد وأن كان يصلها الفكر الإسلامي ،وأن يجد نفسه في مواجهة السؤال الكبير ، وماذا بعد ..؟ ، وكيف ندخل في عالم اليوم وتحدياته ، فكانت هذه هي مرحلة التأسيس لمشروعه المستقبلي الذي يعبر عن هويته وأصالته ، في الوقت الذي يعبر فيه أيضا عن قدرته على مجابهة تحديات الواقع المعاصر ، على مختلف الأصعدة ، وأن يطرح مشروعه الذي يؤسس فيه لحضارة جديدة وعالم جديد أكثر عدلا واستنارة ورشدا . هذا التفكير الجديد ، التفكير المستقبلي ، وضع الفكر الإسلامي على مفارق طرق ، لأن الأخطر دائما ليس ما ترفضه ، وإنما ما تقوله أو تبدعه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت