فهرس الكتاب

الصفحة 17515 من 27364

يوم تستقر هذه المبادئ والحقائق لا يكون هذا الطغيان العلمي الذي استخدم اليوم لا فساد الحياة الإنسانية سوى كان في المجالات العسكرية المدمرة الباغية ، أو كان في المجالات العلمية التي تعدت الحدود الأخلاقية والإنسانية لتبعث بالحياة نفسها ، ولتمسخ حقيقة الإنسان ، بل وجاءت الحضارة بصناعتها وبهرجها لتفسد هذا الكون والحياة فيه بما هو معروف في القضايا الكبرى التي تتعلق بالبيئة والحرارة وغيرها في الأرض ، إن طغيان الإنسان بهذا العلم التقني المتقدم بعيداً عن منهج الله - عز وجل - هو الآفة الحقيقية ، وهو الإرهاب المدمر وهو الخطر الذي حال حياة البشرية اليوم إلى أعظم وأدق وأكثر الظروف حساسية في حياة هذه الكرة الأرضية .

إن أولئك القوم الذين يتزعمون تلك الحضارة ، ويظنون أنهم يحملون النور للناس ظلماتهم بعضها فوق بعض في قلوبهم مرسومة على وجوهم وظاهرة في أقوالهم وحياة شاخصة في وقائع ممارساتها في حياتهم الاجتماعية قد صاروا أدنى وأحقر من البهائم في إباحيتهم وشذوذهم وأمراضهم التي ابتلاهم الله عز وجل بها في حياتهم الأمنية ، في كل لحظة من لحظاتهم ، وثانية من ثانيات أوقاتهم جرائم لا تعد ولا تحصى ، أي حضارة يريدون أن يشيعوها في العالم ؟ وأي تعليم يريدون أن يقتبس منهم ؟

إن تعليم المادة إرث حضاري إنساني تشترك فيه الحضارة كلها ، ويأخذه كل جاد من كل ملة ودين ، فالواجب على المسلمين أن يستبقوا إليه ، وأن يأخذوه وأن يضبطوه بضوابط الإيمان ، وأن يسلكوه على منهج الإسلام ، وأن يجعلوه وفق القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية في هذا الدين العظيم ، الذي أكرمنا الله سبحانه وتعالى به ، والقرآن يعلمنا والمنهج في هذا طويل { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً } .. القرآن يعلمنا حقيقة الدنيا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يكشف لنا ذلك .

إن علمنا الحقيقي من القرآن يجعلنا نعرف الأمور معرفة حقيقية ويبصرنا بحقائقها ؛ حتى لا تكون الوسائل غايات أن من الناس من يعيش ليأكل ومن الناس من يأكل ليعيش وفرق ما بينهما عظيم .

إن الحياة المادية والحضارة الغربية اليوم قد ألّهت المادة حتى جعلتها هي الإله الأكبر المعبود ، وهي العبادة بالتعلق وبالاهتمام بالعناية بالحرص بالخوف عليها والرجاء فيها كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ) .

سماه عبداً ؛ لأنه بذلك متعلق ، وبه منشغل ولتحصيله مجتهد فهذه عبادتهم هل يريدون أو هل يريد المسلمون أو هل يريد المتصدرون في قضايا التعليم أن نسير في هذا النهج فنصبح دنيويون لا دينين ، ونصبح ممن يعبدون الشهوات والملذات فننغمس فيها إلى آذاننا ، فلا نكاد نرى نوراً وإشراقاً وحياة قلب ولا روح تلك هي الصورة التي يجلّيها الواقع في حياة تلك الأمم ، ونحن قد أكرمنا الله - سبحانه وتعالى - بغير ذلك وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبي الدرداء عند الترمذي وغيره: ( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة ) .

إننا في هذا الدين العظيم ليس هناك تعارض بين علماً ديني أو دنيوي .. إننا نأخذ علوم الدنيا باسم الله ، ونسيّرها على منهج الله ، ونبتغي بها الغاية العظمى من رضى الله عز وجل .

وإن تعليم ديننا إنما ينوّر لنا جوانب هذه الحياة ، وإنما يحثنا لنخرج خيراتها ، ولنتعلم في كل شؤونها وأحوالها ولنقود البشرية كلها إلى ما فيه خير الدنيا ونجاة الآخرة بإذن الله عز وجل ، وانظروا إلى تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأجر والمثوبة في العلم الذي يتعلق بحياة القلوب بالقرآن الكريم لقوله: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق - وهما موضعان في المدينة - فيأتي بناقتين كوماوين - والناقة الكوماء هي الناقة العظيمة السنام - في غير أثم ولا قطيعة رحم ؟ فقالوا يارسول الله: كلنا يحب ذلك, قال صلى الله عليه وسلم أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم, أو فيقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع, ومن أعدادهن من الإبل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت