فهرس الكتاب

الصفحة 17529 من 27364

فتصميم هذا الكون يهيئه لاحتضان الكائن البشري (الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع...) [غافر: 79-81] ، ذلك الكون الغائب المشهود، فمنه جانب لا يدركه الإنسان، ولا يعرف عنه إلا بالوحي؛ فهو عالم الغيب وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ومنه ما يدركه الإنسان بحواسه ومدركاته... فالعقلية الإسلامية عقلية غيبية علمية مؤمنة بعالم الغيب كما هي مؤمنة بعالم الشهادة..، ويوضّح القرآن الصورة الشاملة لهذا الكون داعياً إلى النظر إليها والاعتبار بها (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك... ) [البقرة: 16] مبرراً تناغم وحداته وجمال انتظامه (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضراً...) [الأنعام:99] في بنية زوجية رهيبة (سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض...) [يس:36] على نمط من الحركة والجريان والتبدل (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه....) [يس: 38-39] في حوادث لا تنفك لها آصرة، ولا ينقطع لها ارتباط، على شكل متسلسل يكون بعضه سبباً في حدوث البعض الآخر (ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً...) [ النور:43] ليؤسس للقيم الإيمانية بناء على ذلك ويبيّن ارتباطها بالسنن الكونية كتوقع الانهيار والانتكاس حال انتشار الذنوب (فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين) [الأنعام:6] .

ثم ينتقل الباحث إلى الحديث عن الحياة في التصور الإسلامي مبيناً ما كان عليه الناس من إفراط في حبها، وإفراط في الإعراض عنها ليوضح كيف عالج القرآن كلا الطرفين (... وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا...) [ القصص:77] ، وكيف قدم الصورة الناصعة لنشأة الحياة في دورتها المنتظمة (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي...) [الروم:19] صادعاً بحقيقتها التي لا يرتاب فيها متأمل (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ...) [الأنعام:32] مثبتاً أنها ليست سوى ابتلاء واختبار (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) [الملك:2] باعتبارها الطريق إلى الآخرة، ولا انفكاك لها عنها (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ...) [ المائدة: 65-66] ، هذه الحياة الأخروية التي ليست إلا حلقة في سلسلة النشأة والمعاد (... الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة...) .

إن الحقارة التي تتصف بها الحياة الدنيا تدعو إلى الزهد فيها"تعس عبد الدرهم تعس ..."زهد في إيجابية تناهض التواكل وتأخذ بالأسباب (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق..) [ الأعراف:32] وترفع شعار القيم الإيمانية (إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) [الحجرات:13] تلك القيم التي تُعلي شأن الإنسان بعيداً عن الحيوانية وتجعله على وعي بمقصديته (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون...) [الذاريات:56] مدركاً لما حوله من أمم تشاركه في كثير من معالم حياته (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) [الأنعام:38] مُسْتَشْعِراً قيمة الوقت وأهمية الزمن"عن عمره فيما أفناه..."متحملاً مسؤوليته الفردية عن كل عمل يصدر عنه (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [فاطر: 18] داخل إطار من المسؤولية الجمعية.

في الوقت الذي قدر فيه الإسلام المسؤولية الفردية فإنه توازياً مع ذلك أبقى على مظاهر من المسؤولية الجمعية"مثل القائم على حدود الله - تعالى- والواقع فيها كمثل قوم استهموا..."، وقد جعل الله - تعالى- من هذه السنن الكونية التفاوت بين بني الإنسان في قدراتهم ومعايشهم وأرزاقهم.. (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) [النحل:71] ، ولما جعل الله - تعالى- السماء محضن هذه الأرزاق استودع البشر مفاتيحها (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً...) [الطلاق:2-3] . وشاء أن تكون هذه الحياة مزيجاً من الخير والشر دون تمحض لأي منهما (ونبلوكم بالشر والخير فتنة ..) [ الأنبياء:35] وجعل اجتلاب المصالح ودفع المفاسد منوطاً باعتبار الدنيا مسلكاً إلى الآخرة بعيداً عن التأثر بأهواء الناس (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن...) [المؤمنون:71] ليتسنى للبشر التعرف على آلاء الله وشكرها (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) [النحل:78] استعداداً لتلك الحياة الحقيقية الدائمة (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) [العنكبوت:64] ، هذه الحياة بطرفيها الدنيوي والأخروي تظل بها أسرار مغيبة عن الإنسان مهما كانت قدرته وإدراكه (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) [الإسراء: 85] ، وتظل هذه الحياة ثابتة في أصولها وجوهرها متطورة في معايشها وقدراتها ووسائلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت